جون لو كاريه... أدب الجاسوسيّة يفقد عملاقه!
سعيد محمد
الثلاثاء 15 كانون لأول 2020
أول من أمس، توفي الروائي البريطاني (1931 ـــ 2020) عملاق الرواية الإنكليزيّة في النصف الثاني من القرن العشرين وعميل الاستخبارات البريطانية السابق الذي ارتقى بأدب الجاسوسيّة إلى مستوى الفن الإنساني الرفيع، وأصبحت أعماله التي تحوّل كثير منها إلى أفلام ومسلسلات مشهورة، جزءاً من التاريخ السياسي والثقافي والسايكولوجي للحرب الباردة
لندن | لعب روائيّو الجاسوسية الإنكليز أدواراً مهمّة في إطار عمليّة تشكيل الوعي (الزائف) للجمهور البريطاني حول هويته الوطنية وشخصيته القوميّة لحظة غياب مجد الإمبراطوريّة التي كانت لا تغرب عن أراضيها الشمس وانتهت رمزيّاً في عام 1956 على إثر أزمة السويس الشهيرة، فروّجوا للدولة كوطن، وشاركوا بفاعليّة مشهودةً ــ توازياً مع جهود البروباغاندا الرسميّة ــ في شيطنة الاتحاد السوفياتي وتصوير الأنظمة الشيوعية بوصفها الشرّ نقيض الخير، الذي هو الغرب. لعل شخصيّة جيمس بوند الكاريكاتورية التي أبدعها الروائي إيان فليمنغ مثّلت نوعاً من مزيج هلوسة جماعي، أفيون شعوب يتعاطاه هذا الجمهور المعتد بنفسه لتحقيق الأمرين معاً: نسيان واقع تحوّل بلادهم إلى مجرّد جزيرة صغيرة برعاية العملاق الأميركي أشبه بعجوز شمطاء متقاعدة تعتاش على ذكريات وأوهام العظمة، وتكريس صورة السوفياتيّ الشيوعي عدواً مطلقاً يتربصّ لحظيّاً بالوطن. بوند كان لذلك عميلاً بعينين زرقاوين، وسيم الطلّة خارق الذكاء ومطلق القوّة يخدم نظام جلالة الملكة بولاء حديدي، ويبدو مسيطراً ببرود وسخريّة طبيب إنكليزي على محيطه فكريّاً وتقنيّاً وسايكولوجيّاً، وينتصر في كل معارك الأمّة سواء ضد الأعداء خلف الستار الحديديّ أو في استمالة النساء الجميلات إلى فراشه.