أحداث ثقافية أخرى
«مهرجان المسرح الأوروبي في لبنان»: احتفالاً بالحرية والحياة و... العبث
جوي سليم
الجمعة 27 أيلول 2019

في زمن الانهيارات وقضم المجال العام الذي يسرّع فيه تراجع الحريات، وعلى رغم السأم الذي يطال الأفراد على وقع ذلك، تضرب بيروت موعداً مع محبّي المسرح والباحثين عن فسحة جمالٍ وضوء في قلب الظلام المخيّم.

 

ابتداءً من هذه الليلة، موعدٌ مع الفرح واللعب والانعتاق على مدى 16 يوماً، هي مدة الدورة الثانية من «مهرجان المسرح الأوروبي في لبنان» من تنظيم الاتحاد الأوروبي و«مسرح المدينة». سيكون اللبنانيون على موعد مع عروض ومحترفات ومعارض ستبعث الروح مجدداً في الخشبة وتفسح المجال أمام الفنانين المحترفين وأولئك الذين يتلمسون خطواتهم الأولى في هذا العالم الساحر، حتى يتلاقوا مع الجمهور المحلي المتعطّش إلى المشاهدة في ظلّ الشحّ النسبي الذي يعانيه المجال في غياب الدعم الحكومي، برغم الجهود الفردية الحثيثة لأهل المسرح. أصبحنا إذاً أمام موعد ثابت مع «المسرح الأوروبي» في بيروت، في موازاة مهرجان السينما الأوروبية الذي احتفل هذا العام بعامه الخامس والعشرين في لبنان. تحمل أوروبا إرث 2500 سنة من المسرح، أبي الفنون، إلى لبنان الذي يحفظ للمسرح مكانةً مهمة في وجدانه وفي الذاكرة الجمعية، برغم الصعوبات الحالية، مع حركة مسرحية رائدة عرفت ذروتها في منتصف القرن الماضي.

 

من استعادة بريخت ولوركا و«إعادة خلق» شكسبير بأدواتٍ فردية، وصولاً إلى أحدث التجارب المعاصرة وأكثرها فتوةً، سنشاهد عروضاً من تسع دول أوروبية، بالإضافة إلى عرضين لبنانيين، واحدٌ جديد لكارولين حاتم التي عملت على نصّ «الزفاف» لبريخت، والثاني تعرفت إليه بيروت منذ أكثر من عشر سنوات، هو «صفحة 7» لعصام أبو خالد، مع طيف صموئيل بيكيت الذي يخيّم على العرض. تحضر في المهرجان أيضاً إشكاليات الهوية والاندماج، السؤال الراهن في أوروبا أكثر من أي وقتٍ مضى، تاريخ الصراع في فلسطين، النقد الطبقي، إلى جانب ثيمات وجودية تعكس مآزق فردية أوروبية، لكنها ذات بعد كوني لن يشعر المشاهد غالباً باغترابٍ عنها، إلى جانب زيارة خاطفة إلى تاريخ فن مسرح الشارع الإيطالي، من دون نسيان شبح العبثية الذي لا ينفكّ يطارد المسرح (وجمهوره)! يمكن القول إن الخيط الذي يمسك المهرجان من أوله وحتى آخره، هو «الحرية». بدءاً من وضع مديرة «مسرح المدينة»، نضال الأشقر، الاحتفالية هذا العام في صلب معركة الحريات التي يعيشها أهل الفنّ في لبنان، خصوصاً بعد «فضيحة» منع فريق «مشروع ليلى من المشاركة في «مهرجانات جبيل» في تموز (يوليو) الماضي.

 

الأشقر وصفت المهرجان بكونه «طائرة ورق في الظلام» في كلمتها خلال المؤتمر الصحافي المعلن للمهرجان يوم الإثنين الماضي. فالمسرح المسؤول عن تجسيد حركات النفس، هو روح العالم والتاريخ، بحسب آريان منوشكين. من هنا ربما نفهم، اختيار المهرجان لمقولة لوركا «وطن لا يساعد ولا يروج لمسرحه، إذا لم يكن قد مات بالفعل، فهو آخذٌ بالموت». قتل المسرح، بالرقابة أو بالإهمال، هو قتلٌ للحرية، وهو مؤشر سيئ دوماً إلى حال البلد والشعب. الحرية بمعناها السياسي المقاوم للمنع والتضييق والظلامية إذاً، وبمعناها الفردي كذلك. كيف لا والمسرح هو «من يرينا كيف يخلق الفرد نفسه على الخشبة»، بكلمات سارتر، ويرينا لحظة الاختيار، هذه اللحظة المحظية في عمر الإنسان «المحكوم بالحرية». كما أن المسرح «مملكة المتخيَّل» كما كان الفيلسوف الفرنسي يسمّيه، هو الحيّز المثالي لاختبار حرية الأجساد وانعتاقها. هلمّوا إذاً إلى مسرح المدينة احتفالاً بالحياة والحرية، وبالعبث أيضاً، لمَ لا؟ لعلّ القليل من التصالح معه «يفرح قلب الإنسان»، في قلب الواقع السوداوي والتداعي الوشيك الذي نعيش في انتظاره.




المصدر: الأخبار