أحداث ثقافية أخرى
رواية سينسيوس وهيباتيا: صراع الفلسفة والدين المسيحي
فايز علام
الجمعة 12 نيسان 2019

عود الكاتب الليبي "فرج العشة" في روايته الثانية "سينسيوس وهيباتيا" إلى أواخر القرن الثالث الميلادي، ليحكي لنا بأسلوب روائي، عن الصراع بين الدين المسيحي والفلسفة الذي كان على أشدّه في ذلك الوقت من التاريخ.

يدور الكلام في الرواية على لسان شخصيتها الرئيسيّة "سينسيوس"، وهو ابن مدينة "قورينا" الليبيّة، والده سليل المستوطنين الإغريق الأوائل، وأمه متحدّرة من سلالة ملك قبيلة الأسبوستاي الليبيّة، وبذا فإنه منذ تفتّح وعيه أدرك مسألة الهوية، وأثار ذهنه سؤال الانتماء، إذ يرفض الإغريق الهللينيين اعتبار القورينيين مواطنين هللينيين، بل مجرّد ليبيّين برابرة، اكتسبوا هللينيّتهم بطرق خفيّة وغير صحيحة.

يدمج "العشة" في القسم الأول من الرواية الأساطير بالواقع، فنقرأ عن هجرة الإغريق إلى ليبيا، وأسباب هذه الهجرة، وكيف استقرّوا هناك وأقاموا حضارتهم. كما يضفر في السرد الكثير من الطقوس الحياتيّة التي كانت سائدة في ذلك الوقت، فيصوّر أجواء الاحتفالات، وكيف تجري مراسم الزواج، وما هي الأعياد التي كان يُحتفل بها آنذاك كعيد الحصاد:

"كان عيد الحصاد استثنائياً هذا العام، فهو لا يحدث إلا كلّ خمس سنوات أو عشر، وأحياناً يؤجل لعشرين سنة بحسب نبوءة مجمع العرّافين الذي يتكون بالتساوي من خمس نساء وخمسة رجال، شرط أن يكونوا متزوّجين ومنجبين. كانت إشارات الطبيعة هي التي توحي بالعيد الاستثنائي، حينها يقرّرون إقامة الاحتفال ليلة غياب نجوم الثريا وراء القمر، فتُطفأ أضواء فتائل الزيت، وتشتعل النيران منتشرة في الأنحاء، حولها يتلاقى المحتفلون المتوافدون من كلّ الجهات".

القضية الأساسيّة التي تطرحها الرواية، هي الصراع الذي كان سائداً آنذاك بين الدين المسيحي والفلسفة، إذ يتعرّف "سينسيوس" إلى المسيحيّة عن طريق إنجيل لوقا، فتشدّه عقيدة الخلاص، ولكنه لا يستطيع أن يتخلّى عن شغفه بالفلسفة، فيعيش ونفسه متلاطمة في مثلث العقل والقلب والروح، لأنه يشعر أن الفلسفة تعمل على تعميق رؤيته للعالم، بينما يمنح الدين الناس الإحساس بالخلاص، وكان يحتاج إلى ما يساعده على تقبّل فكرة أنه يمكن للفلسفة والمسيحيّة أن يتآلفا ويعيشا معاً.

هكذا، يقرّر الذهاب إلى الإسكندرية سعياً وراء المعرفة والعلم، إذ أن هذه المدينة كانت في ذلك الوقت هي الحاملة لشعلة استمرار الإرث الفلسفي بعد أفول الحضارة اليونانيّة، وسيطرة المسيحيّة على حضارة روما. وفي الإسكندرية تعيش "هيباتيا" الفيلسوفة الأشهر في التاريخ، وإليها يمضي "سينسيوس".

تمتلئ صفحات الرواية بنقاشٍ واسع حول الكثير من المواضيع الفلسفيّة التي تطرحها "هيباتيا" في دروسها، وفي محادثاتها معه، كما تناقش الرواية عدة مواضيع شائكة، عارضةً وجهة نظر الفلسفة والدين فيها، تاركةً الباب مفتوحاً للتساؤل والتأمّل فيها، ومن هذه المواضيع: المرأة والرجل والذكورة والأنوثة والعلاقة بين هذه جميعها، فكرة الثالوث المقدس، واجتماع الطبيعتين الإلهيّة والبشريّة في شخص المسيح، التعارض بين أقوال المسيحيّة وتعاليمها والتفاسير اللاهوتيّة والعقائديّة التي أتت فيما بعد.



المصدر: رصيف22