أحداث ثقافية أخرى
شوقي أبي شقرا الشاعر والصحافي والإنسان
سركيس أبوزيد
الأربعاء 30 كانون الثاني 2019

في 20 آب 1967 نُشر لي أول مقال في ملحق "النهار" حول طانيوس شاهين ويوسف بك كرم. ومن يومها دخلت إلى عالم الكتابة والصحافة. والفضل يعود إلى الأستاذ شوقي أبوشقرا الذي كان يُشجع الشباب ويرعاهم خاصة القادمين من الأطراف.


ومن يومها أتابعه عن بعد، كان قدوة ومثالاً لي ولجيلي رغم أن معرفتي الشخصية والمباشرة به أتت متأخرة، ورغم أننا نتشارك بالإثم الإهدني فهو ابن الشوف لكنه صهر إهدن وله فيها أهل وأصدقاء ومحبين.


من يراجع كتابه "شوقي أبي شقرا يتذكر" يلتقي بعشرات الأسماء الزغرتاوية التي كتب عنها، وأنا منهم، كما أشير إلى  شهادته عن أخي وصديقي جبران عريجي الذي غادرنا مؤخراً.


شوقي أبوشقرا متعدد الأبعاد. أبرزها ثالوث الشعر والصحافة والإنسان.


في الشعر تجرأ على كسر القوالب والأوزان وجعل القصيدة تنشد الحرية ضد التقاليد وقيود الماضي المورث، لأن الشعر هو الجمرة التي تحرق حيث يكون الوجع والسؤال.


شوقي أبوشقرا الشاعر يلعب بالقلم ويطيّع الكلمات ليزين الصفحة الفارغة بالمعاني والصور. يمتلك الحروف ويراقصها فلا تبقى اللغة مثلما كانت، فهو يحولها ويجملها ويكسرها ويضيف إليها، فتولد لغة جديدة تلون المعنى وتجمل الابتكار.


شوقي أبوشقرا شعراً هو الرائد والقدوة ومدرسة في التجديد والإبداع. هو مؤسس لم يقلد سواه... كثيرون قلدوه ومشوا على طريقه.


عندما أصدرت تحولات شعراً في العام 1983 مع بول شاوول وعيسى مخلوف وكوكبة من الشعراء كان حاضراً كملهم ومثال.


شوقي أبوشقرا في الصحافة معلم أسس الصفحة  الثقافية في "النهار" بعد أن كانت الثقافة عواميد ضائعة في المنوعات وموزعة على صفحات، فجعل منها ملحقاً خاصاً وبيتاً مستقلاً وعمارة يقصدها طلاب الفكر والعلم والمعرفة.


إنه المرجع الذي يوجه إلى ينبوع الاكتفاء والرضى عن الذات. محمد الماغوط قال فيه إنه "المرشد الجمالي في مجلة الشعر" وكان فعلاً المرشد لجيل صاعد من الكتاب والشعراء والصحافيين والمريدين.


إنه المزارع الجديد الذي ينثر بذور المعرفة في تربة جائعة. يغرس الأشجار ويرعى الكلمات. الكتابة فعل إبداع مستمر حتى اللامنتهي.


شوقي أبوشقرا الإنسان يهتم بتفاصيل الحياة اليومية. زرع الصداقات حيث يوجد قلم يكتب. اللقاءات والحوارات والمشاهدات حاضرة في يومياته ولها أهمية كالقضايا الكبرى. هذا البعد الإنساني الروحي متأصل فيه. كل إنسان التقى به له حضوره وأثره واهتمامه وليس مجرد عابر سبيل منسي. اللقاء به لحظة  تاريخية. يتابعك ولو عن بعد... يتميز بدقة الملاحظة والتأمل. يرى فيك ما لا تراه في نفسك.


شوقي أبوشقرا الإنسان هو العطاء من دون مقابل. إنه غيري يعمل  دون انتظار مردود. حياته مجبولة بالمحبة. الخيبات لم تكسره ولم تثنيه عن فيضه فظل كالنبع لا يسأل السواقي إلى أين تسير ولا يعتب على المياه المتدفقة إذا خرجت من مجاريها.


إنه حبة الحنطة التي ينثرها الفلاح في الأرض ولا يحاسب التربة على الزرع. إنه وجودي متمسك بالأرض وترابها وبكل فصولها وألوانها وروائحها حيث لا نهاية للنهاية لأن الفردوس هنا وهناك.


شوقي أبوشقرا تجاوز الصفات فهو الشاعر والصحافي والكاتب والمعلم والأستاذ والمرشد والراعي والفلاح والمزارع والمرجع و....إلى آخره، وأنا أختصرها بكلمة واحدة إنه الإنسان الجديد.


شكراً شوقي معك كانت بداياتي في الكتابة، وتعلمت منك في النهاية أن الكلمة الحرة تحررنا من التفاهة والرتابة وتبني عالمنا الجديد. كل الخيبات والأحقاد تزول أما الأحرف والألوان باقية لأنها ترسم حياتنا الجديدة وتعطيها معنى الوجود.