أحداث ثقافية أخرى
أعمق مناجاة شكسبيرية بأغرب ترجمة عربية
صلاح نيازي
الثلاثاء 18 كانون لأول 2018

قصور فهم المترجم للنصوص الشكسبيرية، معنى ومبنى رغم أن عباراتها تتصادى وبتحريف إحداها تفقد أهميتها.

إن عوالم الكاتب المسرحي الأشهر عالميا ويليم شكسبير تستحق لنقلها إلى العربية دراية كبرى بطريقة تشكلها، وبمشاربها الثقافية والفكرية والتاريخية، كما تتطلب إلماما خاصا بنسيجها الشعري، حيث تعتبر كتابات شكسبير المسرحية أشبه بكتابة الشعر، وهو شاعر في الأصل، يحيك جمله بعناية فائقة إلى درجة أن الإخلال بتركيب أو كلمة قد يفسدها تماما، وهو ما حدث بالفعل في ترجمة مسرحياته إلى العربية مطلع القرن العشرين، عندما كانت الترجمة لا تخضع إلى تدقيق أو تثبت، ما جعلها أشبه بالتحريف، وما يدعو اليوم إلى الوقوف على أخطائها لتلافيها.

هكذا ببساطةِ جدولِ ضرب. شكسبير تقنية. بها يتفرّد ما إن تجاهلها خليل مطران حتى تخبطتْ ترجمته وتعثرت، وكذا ابتعدت عن الأصل لدرجة محزنة، أو محرجة، أو معا. كمن يبحر بلا بوصلة، أو كمَنْ يبحر بزورق مثقوب.

كذلك كانت ترجمة جبرا هي الأخرى، بلا ضابط. لم تكنْ تعنيه التقنية، فانغلقت بوجهه الصور الشعرية، وهي النفائس من القول. استلّ معانيَ الكلمات والجمل من القاموس، لا من النص. لذا لم تخلُ صفحة من صفحات ترجمته لمكبث، مثلا من انحرافات غريبة. ترجمة مأهولة بالأغلاط. غلطة أو غلطتان في كل صفحة. (للمزيد عن هذا الموضوع راجع مقدمة مكبث بترجمة كاتب هذه السطور).
أخطاء مطران

الفكرة من وراء هذه المقالة في الأصل، هي التعرّف عمليّاً على بعض تقنيات شكسبير وأعرافه التأليفية، ولكنْ لكثرة شطحات خليل مطران وقصور فهمه للنصوص الشكسبيرية، معنى ومبنى، سنقتصر على بعض الأمثلة وفحصها عمليّاً. وقد يكون من الأفضل العودة ثانية إلى مقالتنا السابقة المنشورة في “المدى” وكيف سخر ميخائيل نعيمة في كتابه “الغربال” من لغة خليل مطران في ترجمة مكبث.

لنأخذ على سبيل المثال عينّيتين من ترجمة مطران، من الفصل الخامس – المشهد الخامس، وفيه يتساءل مكبث عن سبب العياط الذي كان يسمعه، فأجابه حامل درعه بأنه عويل نسوة. كانت ردّة فعل مكبث حسب ترجمة مطران كالتالي: “عجبتُ كيف نسيت إحساس الفزع. فقد مرّ بي وقت لو علا من الظلمة صوت لجمدتُ من التهيّب. ولو سمعت سيرة محزنة لتصلّب شعري على رأسي، كأنها الأشباح أحياء بأرواح لكنني الآن شبعت من الروع. وقد ألفتْ فكرتي أفظع الأشياء، فلنْ أجزع من شيء، علام هذا النحيب؟”.

وقبل التمعن في هذه الترجمة، أعلاه، قد يكون من الأفضل اقتباس النص الإنكليزي، وهو كالتالي:

Macbeth: I have almost forgot the taste of fears

The time has been, my senses would have cool’d

To hear a night-shriek; and my fell of hair

Would at a dismal treatise rouse, and stir,

As life were in’t. I have supp’d full with horrors:

Direness’ familiar to my slaughterous thoughts,

Cannot once start me.’

هكذا ببساطةِ جدولِ ضرب. شكسبير تقنية. بها يتفرّد ما إن تجاهلها خليل مطران حتى تخبطتْ ترجمته وتعثرت، وكذا ابتعدت عن الأصل لدرجة محزنة، أو محرجة، أو معا. كمن يبحر بلا بوصلة، أو كمَنْ يبحر بزورق مثقوب.

كذلك كانت ترجمة جبرا هي الأخرى، بلا ضابط. لم تكنْ تعنيه التقنية، فانغلقت بوجهه الصور الشعرية، وهي النفائس من القول. استلّ معانيَ الكلمات والجمل من القاموس، لا من النص. لذا لم تخلُ صفحة من صفحات ترجمته لمكبث، مثلا من انحرافات غريبة. ترجمة مأهولة بالأغلاط. غلطة أو غلطتان في كل صفحة. (للمزيد عن هذا الموضوع راجع مقدمة مكبث بترجمة كاتب هذه السطور).
أخطاء مطران

الفكرة من وراء هذه المقالة في الأصل، هي التعرّف عمليّاً على بعض تقنيات شكسبير وأعرافه التأليفية، ولكنْ لكثرة شطحات خليل مطران وقصور فهمه للنصوص الشكسبيرية، معنى ومبنى، سنقتصر على بعض الأمثلة وفحصها عمليّاً. وقد يكون من الأفضل العودة ثانية إلى مقالتنا السابقة المنشورة في “المدى” وكيف سخر ميخائيل نعيمة في كتابه “الغربال” من لغة خليل مطران في ترجمة مكبث.

لنأخذ على سبيل المثال عينّيتين من ترجمة مطران، من الفصل الخامس – المشهد الخامس، وفيه يتساءل مكبث عن سبب العياط الذي كان يسمعه، فأجابه حامل درعه بأنه عويل نسوة. كانت ردّة فعل مكبث حسب ترجمة مطران كالتالي: “عجبتُ كيف نسيت إحساس الفزع. فقد مرّ بي وقت لو علا من الظلمة صوت لجمدتُ من التهيّب. ولو سمعت سيرة محزنة لتصلّب شعري على رأسي، كأنها الأشباح أحياء بأرواح لكنني الآن شبعت من الروع. وقد ألفتْ فكرتي أفظع الأشياء، فلنْ أجزع من شيء، علام هذا النحيب؟”.

وقبل التمعن في هذه الترجمة، أعلاه، قد يكون من الأفضل اقتباس النص الإنكليزي، وهو كالتالي:

Macbeth: I have almost forgot the taste of fears

The time has been, my senses would have cool’d

To hear a night-shriek; and my fell of hair

Would at a dismal treatise rouse, and stir,

As life were in’t. I have supp’d full with horrors:

Direness’ familiar to my slaughterous thoughts,

Cannot once start me.’


وقد جاءت ترجمة خليل مطران، على النسق التالي “هكذا تتصّرم الأيام من حيث لا نشعر بها، متوالية إلى آخر هجاء من أهجية الكتاب، الذي يحرر فيه الدهر أحداثه وسيره. كل ليلة تنتهي تمهّد لبعض الأناسي الضعاف طريق القبر. انطفئْ انطفئ أيها النور المستعار هنيهة. ما الحياة؟ إنْ هي إلاّ ظلّ عابر، إن هي إلاّ الساعة التي يقضيها الممثل على ملعبه متخبطا متعبا ثمّ يتوارى ولا يُرى. إن هي إلاّ أقصوصة يقصّها أبله بصيحة عظيمة وكلمات ضخمة على أنها خالية من كلّ معنى”.

للحق ما من كلمات خالية من كلّ معنى إلاّ الترجمة أعلاه، إذا كانت تلك ترجمة. أين شكسبير؟ صدقا لو اجتمعت دزينة من الخبراء الشكسبيريين ليجدوا صلة من أيّ نوع بين مناجاة مكبث والترجمة أعلاه لعجزوا عن ذلك. يقول مطران على لسان مكبث: “هكذا تتصرّم الأيّام من حيث لا نشعر”. ولكنّ مكبث لم يقلْ ذلك، وإنما قال:

Tomorrow and tomorrow and tomorrow

Creeps in this petty pace from one day to another

أي: “يزحف غدٌ وغدٌ وغدٌ

بهذا الخطو البطيء من يوم إلى يوم”.

هنا جعل شيكسبير الزمن وكأنّه دبيب حشرة بطيئة (هل هي صدى للفأرة في بداية المسرحية التي هددت بأنها ستفعل وستفعل وستفعل. ترتبط الفأرة فولكلورياً بالخراب في بعض الأحيان). وحتى يزيد شيكسبير من حدّة الصورة ذكر كلمة “هذا” This  وكأنّ مكبث كان ينظر إلى هذا الخطو البطيء بعينين مفتوحتين، وهو أقسى ألم، لأنه يحدث أمامه أو كما يقول المتنبي: واحتمال الأذى ورؤية جانيه غذاء تُضوى به الأجسام”.

بالإضافة إلى ذلك فإن كلمة “هذا” تفيد الآنية، بكل ما تحمل هذه الكلمة من قلق، إلا أنّ مطران حذفها. حشر خليل مطران جزافا “من حيث لا نشعر”. هذه الجملة نابية إنْ لم تكنْ مؤذية لأن مكبث في هذه المناجاة بدأ يشعر بوحدته وعقم حياته، بالإضافة إلى أنه كان يتحدث عن نفسه.

يردف خليل مطران بعد ذلك مباشرة “متوالية إلى آخر هجاء من أهجية الكتاب (المفروض أن تكون أهاجي) الذي يحرر فيه الدهر أحداثه وسيره”. هل هذه فعلا ترجمة لـ”إلى آخر لحظة مكتوبة للحياة؟”

يقول مطران “كل ليلة تنتهي تمهّد لبعض الأناسي الضعاف”. ولكن ليس في النص الإنكليزي كلمة ليلة ولا كلمة تنتهي ولا كلمة تمهد، ولا لبعض ولا الأناسي ولا الضعاف”. هل هذه ترجمة أم تخرّص ؟

على أي حال، يبلغ عدم عناية خليل مطران بتقنيات شكسبير أدنى درجة حينما يترجم  “Out، out، brief candle”  كالتالي: “انطفئْ انطفئ أيها النور المستعار هنيهة”.

أوّلاً لم يكنْ مكبث يخاطب النور، وإنما الشمعة “Candle” ثانيا من أين جاء المترجم بهذه الصفة الغريبة أيْ المستعار، ومن أين جاء بـ”هنيهة”؟ أهي ترجمة لـ”أيتها الشمعة القصيرة الأجل؟”.

يقول الناقد البريطاني الراحل جون وين “العبارة في مسرحية مكبث، من بين كل مسرحيات شكسبير تتصادى مع عبارة أخرى أو تنذر بقدومها”، وحسب الناقدة البريطانية الراحلة روما جيل، فإن الشمعة تعني الحياة.

لا ريب أن شمعة مكبث ما هي إلا صدى لشمعة الليدي، مكبث في المشهد الأول من هذا الفصل تضيء ولا تضيء. ضوؤها عقيم كالضوء الذي ينير “الطريق إلى الموت المعفّر”. جاء في سفر أيوب- الإصحاح الثامن عشر-6 “النور يظلم في خيمته وسراجه فوقه يظلم”.

يستطرد مطران فيقول “ما الحياة؟” واضعا وراءها علامة استفهام، وهي غير موجودة في الأصل. أكثر من ذلك فإنّ مكبث في هذه اللحظات الحرجة من حياته بدأ لأوّل مرة يدخل مرحلة اليقين، كيقينية سفر الجامعة، “الكل باطل وقبض الريح” (10). لذا قال بثقة، “ما الحياة إلاّ ظلّ سائر.. ما الحياة إلاّ ممثل مسكين، ما الحياة إلاّ حكاية يرويها ممثل أخرق.. ولا تعني شيّاً”. ما تبقى من ترجمة مطران لهذه المناجاة يتعذّر تصديقه.



المصدر: العرب اللندنية