أحداث ثقافية أخرى
"التفاحة الأخيرة".. قصة مسيحي ومسلمة هربا من الحرب ليتعرَّفا على دينهما
سمير علي محمد
الخميس 11 أيار 2017

عرفت الإنسانية، في تاريخها الطويل، عدداً من الفترات التي اعتبرت "عصراً ذهبياً"، أسهمت فيها شعوب العالم بابتكارات وأفكار ومنجزات ثقافية وعلمية استفادت منها البشرية أجمعها، كان للعالم العربي والإسلامي دورٌ فيها.

مع أنّ التاريخ الاستعماري في القرنين الماضيين، والسياسة اليوم، خلقا شرخاً بين العرب والعالم الغربي، إلا أن علماء العالم، ومن بيهم علماء الغرب، لم يبخسوا العرب والمسلمين حقهم، فاعترفواً بمساهماتهم في اكتشافات واختراعات وإبداعات فكرية في شتى المجالات منها الطب والفلك والرياضيات والفكر والأدب والفلسفة.

تقديراً لهم، أطلقوا أسماءهم على فوهات على سطح القمر، لتكون بشكل رمزي إشارة إلى أن منجزاتهم كانت سبباً في وصول البشرية إلى درجات من التطور أوصلتنا إلى سطح القمر، وكان ذلك بقرار الاتحاد الدولي الفلكي العالمي IAU في مؤتمراته المنعقدة في سنوات 1935 و1970 و1976.

تم اختيار تسمية 24 فوهة نيزكية بأسماء كبار العلماء المسلمين؛ وهم:
أبو الفداء، علي بن شاهنشاه

هو مؤرخ وجغرافي، وحاكم مدينة حماة، حيث تعلم أصول الدين والفلسفة والطب. اسمه أبو الفداء إسماعيل بن علي بن شاهنشاه (672/1273 - 732/1331)، سمي على اسمه منطقة المرتفعات الوسطى للقمر.
أبو الوفاء، محمد بن محمد البوزجاني

رياضي وفلكي من بلاد فارس، لكنه انتقل إلى بغداد أيّام حكم البويهيين. اخترع دالة الظل، وطور حل مسائل حساب المثلثات الكروية، خاصة القانون العام للجيوب. سمّي على اسمه منطقة بالقرب من خط الإستواء القمري.
البكري أبو عبيد بن عبد الله

Arabs on the moon12

جغرافي من بلاد الأندلس، عاصر فترة ملوك الطوائف، وتعلم التاريخ واللغة والأدب، البكري (1040/432 - 1094/487)، سمّي على شرفه منطقة في الشمال الشرقي للقمر.
البيروني أبو الريحان محمد بن أحمد

عرف بلقبه البيروني (973/362 - 1048/440)، كان عالماً موسوعياً من أوزبكستان، عاش رحّالاً في أسيا الوسطى والهند والعراق. حدد بدقة خطوط الطول وخطوط العرض، وأثبت دوران الأرض حول محورها.
الخوارزمي

أبو عبد الله محمد بن موسى، رياضي وفلكي، عاش في عهد الخليفة المأمون، وعمل في بيت الحكمة في بغداد (عاش بين عامي 781/164 و847/232). أدخل الصفر إلى الأعداد وأسس علم الجبر واللوغاريتمات.
المراكشي الحسن بن علي بن عمر

فلكي وجغرافي موسوعي من المغرب، عاصر دولة الموحدين، أدخل تعديلات في حساب المثلثات، كما أنه صنع الساعات الشمسية. المراكشي توفي عام 1261/660 ومُنح اسمه لـمنطقة على سطح القمر.
البتاني محمد بن جابر بن سنان

لكي ورياضي من حرّان، لكنه انتقل إلى مدينة الرقة للعيش والعمل فيها، وهناك لمع اسمه كواحد من كبار الفلكيين، قبل أن يتوفى في سامراء (918/306).
الفرغاني أبو العباس أحمد بن محمد بن كثير

رياضي وفلكي من أوزبكستان، عمل في بيت الحكمة في عهد المأمون، وعهد إليه المتوكل ببناء مقياس النيل في القاهرة. في 247هـ/861م، استطاع قياس قطر وقدّره بـ6500 ميل، كما حدد أقطار الكواكب السيارة. منح اسمه لـمنطقة في المرتفعات الوعرة من القمر.

أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم

ابن الهيثم عالم موسوعي في البصريات والرياضيات من العراق، عاش في القاهرة في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي. وعرف في أوروبا بـ"الحسن" أو "الحزن".
أبو إسحاق نور الدين البطروجي الإشبيلي

فلكي وفيلسوف من المغرب، في شبابه انتقل للعيش والعمل في إشبيلية بالأندلس، تحت حكم الموحدين. طوّر نظرية حركة الكواكب، وأشار للحركة البيضاوية لها حول الشمس، وأثبت كروية الأرض ودورانها حول نفسها. توجد منطقة باسمه في الحافة الشرقية لمنطقة ماري نوبيوم للقمر.

المأمون

سابع الخلفاء العباسيين (حكم بين عامي 813/198 و833/218)، شهدت الإمبراطورية الإسلامية ازدهاراً واسعاً في عهده، كانت فيه بغداد عاصمة حضارة العالم. يقدّر له دوره في حركة الترجمة والعلوم.

الزرفالي أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى

فلكي ورياضي من مدينة طليطلة، عاش ما بين قرطبة وإشبيلية في الأندلس في عصر ملوك الطوائف. أول من قاس طول البحر المتوسط بشكل صحيح، وحسّن صناعة الإسطرلاب، كما أثبت حركة أوج الشمس بالنسبة للنجوم. الزرقالي لقب منح لفوهة على سطح القمر.
ابن سينا

Arabs on the moon10

طبيب وفيلسوف من مدينة بخارى، عاصر فترة سيطرة البويهيين على الحكم في بغداد. ابن سينا (1037/427)، ألف كتاب القانون في الطب الذي أصبح مرجعاً طبياً حتى القرن السابع عشر الميلادي. كان يلقب بالملك في ترجمات الأوروبيين.
عبد الرحمن بن عمر الصوفي

فلكي شهير من بلاد فارس، تواصل مع رجال الدولة البويهية لإنجاز عمله. رسم خريطة كاملة للسماء، وحدد فيها أماكن النجوم وأشكالها وأحجامها. عاش في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) بين عامي 903/291 و986/376.
أبو محمد جابر بن أفلح الإشبيلي

فلكي ومخترع من الأندلس، عاصر دولة المرابطين، وتوفي في قرطبة (1150/540). له معادلة في حساب المثلثات تعرف بـ"نظرية جابر"، كما اخترع جهازاً لرصد الأجرام السماوية، احتفاءً به سمت فوهة (قرب فوهة المأمون) على اسمه.
ابن بطوطة

جغرافي ورحالة عربي من المغرب، لقب بأمير الرحالة المسلمين، وقد استعان في رحلاته بدعم حكام البلدان التي زارها. عاش في القرن الثامن الهجري (1304/703 - 1377/779). ذهب في رحلة استغرقت 27 عاماً شملت شمال إفريقيا ووسط وجنوب أسيا، قطع فيها مسافة لم يتجاوزها إنسان حتى اختراع النقل البخاري، كما دوّن كل ما شاهده في كل بلد زارها في كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار".
عباس بن فرناس

مهندس وفلكي أندلسي عاش في قرطبة، وعاصر الحكم بن هشام وابنه وحفيده. اخترع القبة السماوية، ونموذج محاكاة لحركة الكواكب والنجوم، وقام بأول تجربة طيران عرفتها البشرية.
ابن أبي سعيد بن يونس المصري

ماذا يفعل العالم بعد الحرب؟

تبدأ جمعيات حقوق الإنسان، وهيئة الأمم المتحدة في حصر أعداد الضحايا والمفقودين، وعقد معاهدات السلام، إن استطاعت، ثم يأتي دور المؤرخين؛ يسجلون أسماء قادة الحروب وأسبابها، والدول التي شاركت، وينتهي كل شيء، دون أن ينتبه هؤلاء إلى ضحايا الحرب الحقيقيين، تعساء الحظ الذين ظلوا أحياء.

الجلاد والضحية وجه واحد لعملة واحدة، هي الحرب والدمار، الدائرة المغلقة التي نعيش بداخلها، ولا نفعل شيئاً، سوى أن نتبادل الأدوار. هذا ما تحدثنا عنه الكاتبة «سونيا بوماد» في رواية التفاحة الأخيرة، الصادرة عن مكتبة الدار العربية للكتاب عام 2015.

تبدأ أحداث الرواية بإحدى المذابح التى نفذتها فرقة الإعدام الصربية في مدينة "سربرنتسا" التابعة للبوسنة عام 1995، بأحد المخابئ؛ فيطلق «إيفان»، أحد أعضاء فرقة الإعدام، النيران على كل من كانوا هناك بالكامل، فيما عدا «نوريستا»، الفتاة ذات 14عاماً؛ ليتركها حية، تشهد عائلتها تفارق الحياة، وتغمض عيونهم بكفيها الضعيفتين.

يعود «إيفان» إلى المخبأ مرة أخرى، يصطحب «نوريستا» هارباً بها خارج البلاد، مخلفاً وراءه ويلات الحرب؛ حتى يستقر بها في منزل تعود ملكيته إلى جده لأمه.

وتبدأ تفاصيل الرواية، التي جاءت بأسلوب سرد متبادل بين كل من «إيفان و نوريستا»، يرصد حياة كل منهما قبل أن يلتقيا، وحياتهما بعد اللقاء بين جدران هذا المنزل.

كان من الممكن أن يهرب «إيفان» بمفرده؛ متجنباً عديداً من المخاطر، التي يواجهها بصحبة الفتاة، لكنه عاد يصطحب جريمته؛ ليؤكد لنفسه أن الهروب من الحرب، لا يعني الهروب من الجريمة، ولكي يصرخ عبر ضحيته أنه هو الآخر ضحية، نعم، أليس «إيفان» الطفل صاحب 14 عاماً، الذي شاهد مذبحة عائلته من قبل الميليشيات التي شنت الحرب على صرب البوسنة سابقاً ضحية؟

هذا الطفل الذي حفر بمخالبه الضعيفة قبوراً ليدفن بيديه أفراد عائلته، في حديقة منزل يحمل أحلامه البريئة، التي لم تتعدَ حدودها بعد سماء تلك الحديقة. نعم هو ضحية اتخذت نفس طريق جلادها، حين شارك بإرادته في الحرب على البوسنة؛ ظناً منه أنه يأخذ بثأر عائلته، وقد كانت «نوريستا» بقايا هذا الثأر، الذي لم يستطع التخلص من آثاره، حتى آخر يوم في حياته.

أما «نوريستا»، تلك الفتاة الصغيرة، فتحت لنا حياتها في هذا المنزل، عديداً من القضايا؛ فقد تعرضت للضرب والاغتصاب في هذا المنزل، لتعبر من خلالها الكاتبة عن عديد من النساء اللاتي استبيحت أجسادهن، وكن ساحات لحرب أخرى، وهي شهوات مجرمي الحروب.

عبرت «نوريستا» عن الكثيرين، نشأوا في عائلات لا تعرف عن الدين سوى التعصب والتشدد، الذي يخلق في النفوس عبادة الله خوفاً لا محبة، وكره الآخر؛ لمجرد الاختلاف في الانتماء العرقي والديني، والمذهبي. وعبرت عن تلك العيون، التي شاهدت ويلات الحرب حتى النهاية، وحاولت استكمال الحياة ومعايشتها مرة أخرى.

«إيفان»، مسيحي الديانة، تعود أصوله إلى عائلة عريقة، و«نوريستا»، فتاة مسلمة نشأت في أسرة بسيطة، مترابطة شكلياً، لكن في واقع الأمر لم تجمعهما الألفة يوماً. جمعتهما الكاتبة في منزل واحد، لا لنرى فيها صورة الجلاد والضحية فقط مجتمعين، ونرى مزيداً من التعذيب والقهر؛ بل ليرى كل منا ما يعتقده عن دين الآخر، من معتقدات وأفكار خاطئة، تسببت في زرع بذور الفتنة داخلنا كل بطريقته، من خلال سرد كل منهما لتجربته وحياته وأفكاره عن انتماء الآخر.

واستطاعت الكاتبة أن تتخطى تلك المعتقدات، بل تجعلها تتلاشى في تلك اللحظة التي تنتصر فيها إنسانيتنا. تلك اللحظة بين «إيفان ونوريستا» كانت ميلاد طفليهما، الذي نبتت بذوره في رحمها من الاغتصاب والإهانة. وبالرغم من ذلك، راهنت «نوريستا» على إنسانية «إيفان» التي من الممكن أن تنسيه أحقاده، في تلك اللحظة.

لم يتردد «إيفان» بالفعل في مساعدتها؛ منتصراً بذلك لإنسانيته، واصفاً تلك اللحظة بقوله "لأول مرة تدوس إنسانيتي على حقدي وقوميتي وجذوري وديني وأصولي، فهي تنازع بين يدي.. سأحاول المستحيل من أجلها".

وبالرغم من سرعة فقدانهما لهذا الطفل، جاءت الكاتبة بتلك اللحظة؛ كي تناشد من خلالها العالم، ليتخلص من أحقاده وانتماءاته المتعصبة، وأن يقف احتراماً للحق في الحياة بعيداً عن أي انتماء عرقي أو مذهبي.

لم تهتم الكاتبة بجذب تعاطف القارئ مع أي من أبطال الرواية، فقد اكتفت بسرد كل منهما لتجربته والحكم للقارئ، وجاءت بعدد محدود من الأبطال، ولم تركز سوى على التجربة الشخصية لكل منهما، تلك التجارب التي وحدت بينهما؛ فقد تعرض كل منهما للظلم بصورة مختلفة، خلقت منهما قلوباً تلتمس العذر للآخر، وتترفع عن إطلاق الأحكام على الآخرين.

من أهم أبطال الرواية، بطل من نوع خاص ومختلف، إنه المنزل الذي جمع بين «إيفان ونوريستا»، وتعود ملكيته لرجل مسيحي، وهو منزل قديم في تصميمه وأثاثه؛ ليأتي المنزل كناية عن إنسانيتنا وحضارتنا العريقة، التي لو نظرنا إليها ولو للحظة؛ فسنستطيع التعايش مع الآخر، واحترامه مهما كانت الظروف.

ومن أهم معالم رقي هذا المنزل مكتبة، احتضنت آلاف الكتب في العلوم والفنون والديانات، وتعرفت «نوريستا» من خلالها على دينها، بصورة أخرى أكثر تسامحاً؛ فالإيمان الصادق لابد أن يبدأ من العقل والعلم.

لم تعانِ «نوريستا» من عذاب بين جدران هذا المنزل، بقدر إحساسها بالحسرة والألم، حين قرر «إيفان» حرمانها تلك المكتبة؛ لتبكي نوريستا للمرة الأولى دموعاً لم تداهمها حين ذُبح أفراد عائلتها أمام عينيها، فتصف لنا الكاتبة من خلال هذا المشهد حسرات الشعوب التي وقفت عاجزة، تشاهد جرائم هدم الحضارة وحرق الكتب، التي تعتبر أشد صعوبة من فقدان النفوس، والعداء الدائم لمجرمي الحرب للثقافة ومظاهر العلم والتحضر.

تنتهي أحداث الرواية حين تترك «نوريستا» المنزل لأول مرة، بعد أن قضت بين جدرانه 15 عاماً، تعلمت كثيراً، وأحبت «إيفان»! لكنها في النهاية كانت طول الوقت بلا إرادة أو اختيار؛ خرجت للعالم لتفاجأ بأن الحروب لم ولن تنتهي، فسماسرة الحروب أحياء، وتجار الدين، لكن بأقنعة وأساليب مختلفة؛ فتكشف الكاتبة الستار عن المراكز الدينية، التي تعمل لصالح مافيا الاتجار بالشباب، لتجنيدهم وإلقائهم في ويلات الحروب، التي لم ولن تنتهي فى أرض أخرى.

ينتحر «إيفان» بعد أن كفر عن جريمته بكل الطرق، نفسياً وجسدياً؛ لكنه لم يستطع أن يتخلص من ضميره أبداً، ورائحة الدم التي ظلت تطارده، حتى بعد انتهاء الحرب، وإبرام معاهدات السلام. تُتهم نوريستا بقتله، وتلتقي إحدى الحقوقيات في أثناء محاكمتها؛ فتطالبها بأن تكتب حكايتها للنشر، لكسب التعاطف، ولفت انتباه العالم لمأساة النساء خلال الحرب وما بعدها.

استطاعت «نوريستا» أن تحصل على حريتها بالعدالة، وبمساعدة كثيرين لا تعرف عنهم شيئاً، وليس هناك رابط يجمعهم، سوى الإنسانية، تفاحتنا الأخيرة التي يجب أن لا يصيبها العطب أبداً؛ ليظل هناك أمل في سلام على هذه الأرض، فالإنسانية بكل معانيها الرحيمة هي الانتماء الحق والدين الحقيقي.



المصدر:

هاف بوست عربي