أحداث ثقافية أخرى
عن التحولات في حياة المرأة اللبنانية
عبير بسام
الأربعاء 28 تشرين الثاني 2018

"أرض وفجر وأنثى" كتاب لروز المصري وهو في الأصل دراسة ماجستير وبحث في علم الإجتماع حول واقع الأسرة في بيروت والتغيّرات التي طرأت على مفهوم السلطة الأبوية. يتألف الكتاب من قسمين الأول نظري، يقدم للتحولات التي طرأت على الأسرة عالمياً بسبب الثورة الصناعية والذي تغير معه مفهوم كل من العائلة الممتدة والعائلة الصغيرة. والقسم الثاني عبارة عن دراسة ميدانية تمت من خلال سلسلة من اللقاءات وتعبئة استمارات ومن ثم تم تحليل النتائج وصولاً إلى الإستنتاجات. من خلال الدراسة قدمت روز المصري للتغيّرات في الأسرة في بيروت بطريقة واقعية ومبدعة تستحق القراءة والتعمق.

عندما لم تعد وسائل الإنتاج الزراعي التي تعتمد على القوة البدنية، والتي مكّنت الرجل من التحكم بالعامل الإقتصادي للأسرة، ودخلت المرأة إلى سوق العمل وشاركت الرجل مصاريف العائلة، عندئذ أصبحت الأم أكثر جرأة في اتخاذ القرارات التي تتعلق بالأسرة وعلى قدم المساواة مع الرجل. لم يكن العامل الإقتصادي، العامل الوحيد المؤثر في تراجع السلطة الأبوية ولكنه بالتأكيد أدى إلى تقدم سلطة الأم على سلطة الأب، خصوصاً في مجتمع باتت فيه المرأة المسؤولة الأكبر في داخل المنزل كما في خارجه. ولذا عزز الإستقلال المادي الذاتي من حدة النزعة الإستقلالية لديها كربّة للأسرة.

تشرح المصري، أن من أهم العوامل، التي تأثرت بها الأسرة هي التطور التكنولوجي؛ وانخفاض معدل الخصوبة، الذي أدى إلى انحفاض عدد المواليد؛ والعامل الثالث هو ازدياد الجمعيات النسائية واتساع نطاق عملها؛ وأخيراً، تأثير العولمة ودخول وسائل الإتصال الحديثة.

يبحث الكتاب، في فصله الأول، في معنى السلطة الأبوية وفي مفهوم الأسرة وصورة الرجل والثورة الصناعية والعولمة. وهو فصل عام يعرِّف السلطة الأبوية عند اليونان واليهود والمسيحية والإسلام، خصوصاً أن الإسلام أول تشريع سماوي جاء ليكرّس للمرأة حقها في الإرث ويقرُّ لها بالإستقلال الإقتصادي. فهي أفضل وضعاً مما كانت عليه المرأة في المسيحية، والتي كانت فيه في العالم الغربي مأمورة من قبل الرجل، لأن الزواج في المفهوم الكنسي هو من أجل الإنجاب ولا يأخذ الغريزة بعين الإعتبار. وهذا ما دفع المصري إلى التطرق إلى تطور مفهوم السلطة في الأسرة عند الحضارات الأوروبية والدراسات الغربية ابتداءً من العام 1800، أي منذ بدايات الثورة الصناعية، التي دفعت نحو تحرير المرأة بسبب خروجها للعمل.

بعد الثورة الصناعية دخل مفهوم آخر ألا وهو اختراق القانون لتنظيم شؤون الأسرة ليستعرض الفصل الدراسات التي صدرت، والتي تكرّس حق الأم في السلطة ودورها عبر التاريخ. كما كان لزيادة المعرفة والعلم في تبيان أهمية المرأة في الإنجاب ونفي المفهوم السائد بأن الرجل هو المساهم الوحيد في الإنجاب دوراً مهماً. وبذا تغيّر مفهوم الزواج السائد في أوروبا، بتكريسه بحسب المفهوم الكنسي من أجل الحاجة للإنجاب ليصبح تعبيراً عن الغريزة.

وفي هذا الإطار أكد بعض الباحثين العرب، مثل نوال السعداوي، التي ترى أن الزواج حاجة هي من أجل تلبية الغرائز قبل أي شيء آخر وقبل الحاجة للإنجاب وهذا ما راعاه الإسلام، ومن هنا جاءت الحاجة فيه لتنظيم العلاقة ما بين الزوج والزوجة.

أما في أوروبا فقد طرح مفهوم النظرة العنصرية للمرأة، من قبل سيمون دي بوفوار، بوصفها "الآخر"، وأن مفهوم الزواج استحدث من أجل تقييد المرأة من قبل الرجل الذي يمثّل السلطة المطلقة. هذا الأمر تحدث عنه أيضاً هشام شرابي والذي أكد أن الرجل هو رمز للسلطة والتعسف (بمعنى القيم الإجتماعية)، التي تمنع المرأة من التطور وإخضاعها للإضطهاد.

في الفصل الثاني، تناقش المصري التحولات التي طرأت على السلطة الأبوية عالمياً، ودور الحركات النسائية والتطور التكنولوجي ووسائل الإتصال. كما كانت هناك تحولات ثقافية انبثقت عن مؤتمر بكين، الذي أسس لمفهوم الجندر في مقابل كل من مفهوم السلطة الأبوية ومفهوم الأنثى والذكر. إذ أن الثورة التكنولوجية والإعلام وعمل المرأة وتضاعف دورها ومهماتها مكّنتها من اختراق أنظمة القيم والعادات وغرز قيم جديدة تعززت واستحضرت إلى المجتمع البيروتي واعتبرت بأنها ثقافة عالمية يجب تمجيدها. وهذا بالتالي دفع نحو اتساع إثبات المرأة لقدرتها وذكائها في التعلم والعمل وأسس لتغيير المفاهيم والدور المناط بالمرأة، ولم يعد الرجل يتمتع بموقع مستقر في داخل الأسرة وبات يخاف على موروثه الإجتماعي ومكانته الذكورية في داخل الأسرة.

كما كان للإعلام الجديد والصورة التي قدمت من خلال المسلسلات التلفزيونية العربية والغربية، والتي حملت نظرة جديدة لتوزع الأدوار في داخل الأسرة، ودفعت باتجاه وصول الحداثة إلى الأسرة اللبنانية والبيروتية، محل الدرس.

وتحدد المصري "أن المرأة اللبنانية لم تأخذ الكثير من حقوقها المدنية والقانونية والسياسية على الرغم من أنها محسودة بين النساء العربيات لتمتعها بحرية مفقودة لديهن نوعاً ما". ولكن وللأسف، هذا تحليل مبسط للحريات والحقوق لدى النساء العربيات في الدول العربية الأخرى؛ وهو كلام بسيط وسطحي وقعت فيه المصري كما يقع فيه الكثير من المتحدثين والمتحدثات في لبنان، وهو كلام إعلامي عام ويحتاج إلى بحث ودراسة في واقع المرأة العربية، قبل الإشارة إليه في بحث علمي.

تبدأ المصري خلال الفصل الثالث بالحديث عن الأسرة في بيروت. ومنها تدخل للتعريف ببيروت من حيث التسمية والموقع الجغرافي عبر التاريخ، ومن ثم تبدأ بالتعريف بالعائلات البيروتية التي سكنت المدينة، والتي بمعظمها جاءت من المدن العربية المحيطة ببيروت، من فلسطين وسوريا ومصر والعراق.

وتولي الكاتبة بيروت أهمية خاصة بوصفها مرفأ يصل الشرق بالغرب عبر التاريخ، وهذا الكلام غير دقيق؛ فبيروت كميناء استحدث من أجل تحويل الإنتباه عن ميناء اللاذقية، الأهم عبر تاريخ البحر المتوسط. ولم ينشأ عبر التاريخ الحديث إلا حين استحدثت ولاية بيروت في نهاية القرن التاسع عشر. ومن ثم زادت أهمية الميناء بعد إعلان دولة الكيان "إسرائيل" وانقطاع العلاقة ما بين الداخل العربي وميناء حيفا الفلسطيني، ذي الأهمية التاريخية والعريقة.

ولذلك عندما تتحدث المصري عن مظاهر التغيير الإجتماعي التي أصابت المرأة في بيروت وبالتالي الأسرة البيروتية أنه نتيجة للثورة الصناعية، فهذا موضع يجب إعادة التفكير به. إن تحول وضع المرأة البيروتية الإجتماعي، من إمرأة تغطي وجهها وتسير خلف زوجها، أسواء كانت مسلمة أو مسيحية، إلى قارئة لمجددات في الأدب الإجتماعي، أمر في غاية الأهمية. أي أن التغيير الذي دخل إلى بيروت لم يدخل من باب التحولات الأوروبية، بل عبر استقطاب الأفكار من خلال الأدب المجدد في الواقع الإجتماعي للمرأة عبر المجتمعات العربية حولها والتي تأثرت المدينة به.

كما لا يمكن إهمال أن من أسباب تغيير المجتمعات البيروتية جاء نتيجة لعمل المرأة بسبب الضغوط الإقتصادية التي خضعت لها الأسرة، ولكنه في قسمه الأكبر كان نتيجة تأثير الأفكار التحررية التي حملتها الأحزاب السياسية التي اجتاحت العديد من الدول العربية وخاصة منطقة بلاد الشام والعراق.

وحتى ظهور مجموعة من الأديبات اللواتي تناولن موضوع المرأة وأوضاعها الإجتماعية في العديد من الدول العربية كان بتأثير هذه الحركات التي لم تعالج الكاتبة أهميتها في الفصل الثالث، مع أنها تولي أهمية خاصة لحركة الأدب النسائي في التغيير الفكري والإجتماعي الذي تأثرت به نساء بيروت. ولكن هذه الحركة الأدبية لم تكن بيروتية، والأديبات اللواتي تعددهن المصري لسن لبنانيات أو بيروتيات بالتحديد، وهن: فدوى طوقان وسحر خليفة من فلسطين؛ أمية حمدان من العراق؛ وكوليت خوري وغادة السمان من سوريا. أما سحر بعلبكي فهي من الجنوب اللبناني وقد قام الأمن اللبناني في زمن الرئيس اللبناني كميل شمعون، في العام 1958، بملاحقتها قضائياً فهاجرت من لبنان واستقرت في لندن، والثانية هي نور سلمان من برمانا.

تحدد المصري أن الإسلام قام بتنظيم العلاقة بين الزوج والزوجة فقط ولم ينظم العلاقة في داخل الأسرة. وهذا الكلام ليس دقيقاً، اذ أن في الإسلام العديد من الأحاديث التي تحض على أن الرجل هو المسؤول عن إعالة العائلة، فالرجال قوامون بما أنفقوا، وليس بسبب نوعهم الجنسي. كما أن الحديث الشريف يتناول الأولاد: "علّموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل". كما حض على تعليم قراءة القرآن. وواحد من أهم الأحاديث النبوية: "لاعبه سبعاً وعلّمه سبعاً وصاحبه سبعاً". أي أن الإسلام كان يرى في خروج الأولاد إلى الحياة المستقلة بعد التعليم والتدريب شيء مهم، وحدد احترام الأبوين وعدم معارضتهما بعد الكبر، وليس من خلال النقاش أثناء التنشئة بقوله تعالى: "فإما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً..". وهذا ليس له علاقة بما اجتهد به علماء الدين في مختلف مراحل التاريخ، والذي استندت إليه في تحليلها حول العلاقات الأسرية في الإسلام والذي خضع للإجتهادات البطرياركية الأبوية، من أجل تعزيز هيمنة الرجل.

أهمية البحث هي في الدراسة الميدانية التي أجرتها الكاتبة، والتي تتضمن معطيات علمية أتت من خلالها الإستنتاجات المهمة التالية:

    إن الأسرة في المجتمع اللبناني هي حالة هجينة لا تنطبق على كل من الأسرة العربية أو الأسرة الغربية، حيث تشهد الأسرة اللبنانية تغييراً واضحاً وغير تقليدي وأصبح فيها للأولاد دور حاسم في الكثير من الخيارات حيث تراجعت العلاقة من الترتيب السلطوي لصالح الحوار والمفاوضة والمزيد من الفردية، ما جعل الحياة العائلية تسير نحو مشاركة أكبر بين أفرادها في اتخاذ القرارات. كما أن هناك اعترافاً بتغيير دور المرأة، ولم يعد الرجل هو الآمر الناهي في شؤون الأسرة.
    إن مشاركة المرأة في ميادين العمل منحها شعوراً بالإستقلالية الفردية ووجهت نحو الزوج مسؤوليات غير موجودة لدى الأسر التقليدية، وباتت المرأة تحتل فيها المرأة المكانة الأكبر في داخل الأسرة وباتت هي المرجع الأول للأولاد في المنزل، مما أدى إلى معاناة الرجل اللبناني أو البيروتي، من أزمة التعريف بمكانته نتيجة لحدوث الإضطرابات الإجتماعية من صعود دور المرأة في المنزل وتراجع دور الأب كممثل للرجولة التقليدية. وهذا ما جعل الأسرة تتخبط ما بين المنظومة الفكرية الجديدة والمنظومة الموروثة وأن تعيش حالة من الإزدواجية. إذ لا يزال الرجل يتعاطى وكأنه ضيف في بيته ولا يساعد في أي من الأعمال المنزلية التي يقع عاتق تدبيرها على المرأة، وهذا له علاقة بالتقاليد الإجتماعية الموروثة. كما سادت الفوضى في العلاقات العائلية، وأكثرها ترسخاً ووضوحاً: تراجع احترام الكبار.
    هناك تأثير كبير لثقافة الإنترنت على الأسرة في بيروت وحتى على مستوى الثقافة واللغة العربية التي تشهد تراجعاً كبيراً ما بين أفراد الجيل الجديد حيث ترى المصري أن تراجع الكتابة بالحرف العربي لصالح الحرف اللاتيني سيتحول في القريب العاجل إلى قضية سياسية كبيرة. وهذا كلام دقيق جداً.



المصدر: الميادين