أحداث ثقافية أخرى
أبوزيد في ندوة إهدن: موت كيان غورو... وولادة لبنان الجديد كنطاق ضمان للفكر الحر
سركيس أبوزيد
الإثنين 3 أيلول 2018

بمناسبة الاحتفال بالذكرى الثامنة والتسعون لإعلان دولة لبنان الكبير، أقامت اللجنة الوطنية لإحياء ذكرى إعلان دولة لبنان الكبير بالتعاون مع بلدية زغرتا- إهدن، حضرها مجموعة من المفكرين والمثقفين وأهالي المنطقة. شارك فيها: أنطونيا غمرة الدويهي – الدكتور في القانون الدولي انطوان صفير – الكاتب سامي الهاشم – الأميرة حياة وهاب أرسلان – الصحافي سركيس أبوزيد، حيث جاء في كلمته:
 

في العام 1920 أعلن الجنرال الفرنسي غورو ولادة لبنان الكبير . ورغم مرور قرن تقريباً، ما زال يشهد لبنان دورة جديدة من الصراع على هويته ودوره وغده. ويخوض حروب داخلية مستمرة يتخللها هدنات مؤقتة. ويسود حذر مستمر من تجديد الحرب الأهلية العلنية والصامتة. ويجاهر البعض بإعلانه نهاية الجمهورية وموت كيان غورو الذي بات اليوم في مهبّ الضم والتقسيم في مشاريع «سايكس- بيكو» جديدة. كتب جهاد الزين أن كثيرين من النخب بدأت تعي موت لبنان الذي تعرفه وتريده. (النهار- 28-كانون الثاني-2014).
كل هذا فاقم شعور بعض المسيحيين الذين كانوا يعتبرون ان كيان غورو وجد لاجلهم فاصبحوا يشعرون بأن دورهم مهمّش، «فأضحوا كمن يتسوَّل» دوراً فقدوه .
 لبنان إلى أين؟  باختصار، سأتوقف عند بعض الملامح التي طبعت المرحلة  :

1-    أزمة هوية ونظام:
منذ نشاته ،عانى لبنان ازمة هوية ونظام . وما زالت الهوية اللبنانية متشظية بين العروبة الواقعية والخيالية والمصلحية المرتبطة بدول النفط والبترودولار بالإضافة إلى الهوية السورية والمشرقية والانعزالية.
  سوء إدارة الطبقة السياسية  ، ادى إلى الانفجار بسبب تناقضات الهوية وأزمة النظام وازمة المنطقة المنعكسة فيه ، مما أدى إلى نهاية الجمهورية الأولى وبداية الجمهورية الثانية مع الطائف. لكن استمرارسوء الإدارة والفساد والمحاصصة وترسيخ الطائفية أوصلت الجمهورية الثانية الآن، إلى أزمة حكومة وحكم ونظام، وقد تصل إلى أزمة كيان.

2-السيادة والتبعية
 حتى الآن لايوجد اتفاق بين اللبنانيين حول مفهوم السيادة، ومعظم القوى اللبنانية تابعة لجهات خارجية قريبة أو بعيدة. حدود لبنان الكبير شملت مزارع شبعا والقرى السبعة والتي تُقدر مساحتها بـ 96 ألف دونم . ترسيم الحدود بين فرنسا وانكلترا ضم قسما منها الى فلسطين المحتلة و " اسرائيل " احتلت الباقي . لكن بعض دعاة السيادة تنكروا لهذه الأجزاء اللبنانية حتى لا ينخرطوا في المطالبة بتحريرها بمقاومة الاحتلال الاسرائيلي . فالسيادة ما زالت سيادة الطوائف والاقطاع السياسي . والتبعية هي استقواء بالخارج على حساب السيادة الوطنية والاستقلال .

3- الدولة الفاشلة
بعد 98 سنة على إعلان لبنان الكبير نشهد الآن انهيار مقومات الدولة وتحول لبنان إلى ساحة فتنة وصراع وتصادم مشاريع إقليمية - دولية، مما أدى إلى فوضى دستورية تكرس فشل الدولة اللبنانية بتوفير الأمن والآمان لشعبها.


«لبنان دولة فاشلة» بالمرتبة 18 من أصل 60 دولة، أي ضمن الدول ذات «الوضع الحرج» حسب تصنيف قدمته دراسة حول «الدول الفاشلة»، نشرتها دورية «فورين بوليسي» منذ فترة وربما الآن وصل إلى مرتبة أسوأ.


   قبل وبعد إعلان «دولة لبنان الكبير» ، حفل  التاريخ بالأحداث التي أثبتت أن لبنان غير قابل لأن يحكم نفسه بنفسه . في كل فترة تولد أزمة جديدة بين اللبنانيين (مقرونة بارتباطات خارجية )، تنتهي باتفاق و«تبويس شوارب» .


  هذه الاتفاقات لم تكن يوماً «لبنانية صرفة»، بل كانت دائماً نتاج خلطة دولية ببهارات كلامية معسولة حول «الوحدة الوطنية» و«العيش المشترك» و«إلغاء الطائفية السياسية». مما يضع لبنان دائماً أمام أزمة وجودية وخوف على الكيان. هل نحن في مناسبة لإعلان موت لبنان-غورو  أو مبادرة لتجديد دور لبنان ومعناه؟
من التحديات التي تواجه كيان لبنان الكبير :


1-    اطماع "اسرائيل" التوسعية  وطبيعتها العنصرية تهدد وجود لبنان التعددي الديمقراطي
2-     القلق من حالة الجوار الجغرافي خاصة في المشرق الذي يشهد تحولات مصيرية تنعكس على لبنان سلبا وايجابا .
3-الخطر من انهيار الدولة الفاشلة وتفكك المجتمع وانتشار عدوانية الفرد.
 4-  تنامي الحركات التكفيرية الارهابية، التي تسعى إلى إلغاء الآخر المسيحي والإٍسلامي الذي لا يشاركها الرأي والتفسير .
 
5-ما زال لبنان في حالة مواجهة بين هويات متنازعة من انعزالية ومشرقية وعروبية  قد تغير   الكيان من لبنان الملجأ، إلى لبنان المنارة او الرصيف للهجرة اوالساحة لحروب أهلية تهدد الوجود.
6-    الخطر من انزلاق بعض الفئات إلى منطق انعزالي يرتكز على وهْم قيام دويلة أو كانتون مما يؤدي إلى تفكيك المنطقة ضمن مشروع أميركي- صهيوني للشرق الأوسط الجديد، قائم على أساس دويلات طائفية، الغرض منه استغلال خوف الاقليات من جهة، وتبرير قيام إسرائيل كدولة يهودية من جهة أخرى، مما يحفظ أمنها على حساب الآخرين. هذا المنطق سبق وادى إلى انقسام المسيحيين في ما بينهم والى تشرذمهم .

كيف نواجه هذه التحديات التي تهدد وجود لبنان الكبير ؟
اللبنانيون اليوم ، مدعوون إلى تقديم نموذج جديد عبر بناء دولة مدنية ديموقراطية مقاومة لكل ظلم وهيمنة واحتلال، دولة حرة مستقلة ومنارة في المشرق العربي.
هل اللبنانيون قادرون على تجديد دورهم الحضاري بإطلاق نهضة جديدة في إطار إعادة صياغة علاقات التعاون في مشرقهم؟ وذلك على اساس الاعتراف بحق الاختلاف والموالفة بين البعدين المادي والروحي من خلال بناء انسان جديد يمتلك العلم والحرية والاخلاق معا .


 تجسيد هذه القواعد يكون بعقد مؤتمر وطني شعبي يؤسس لنظام جديد للبنان ويقيم  جمهورية ثالثة قادرة على صياغة مفهوم لهوية وطنية جامعة، ودولة واحدة عادلة تضع حداً لمسار التبعية والطائفية وتُجدد معنى ورسالة لبنان هدفها الانسان اولا .


في هذه المناسبة آمل أن نستفيد من هذا اللقاء الإهدني الغني والمتنوع من أجل إطلاق مبادرة تأسيسية، لإبداع صيغة جديدة لمعنى ودور لبنان الرائد كنطاق ضمان للفكر الحر قبل أن يدخل لبنان الكبير في خريف العمر.


فهل نقبل التحدي ونُشكل طليعة لبحث تطلعات لبنان عبر لقاءات وندوات ومؤتمرات في إهدن وغيرها حتى نحتفل معاً في العام 2020 بولادة لبنان الجديد.