أحداث ثقافية أخرى
"أبعد ما تحملني البصمة" لتانيا خوري: المُشاهِد مُشارِك..واللاجئ مؤدٍّ
منى مرعي
الخميس 16 آب 2018

في إطار مهرجان أفينيون Off وضمن فعالية "عرب Arab Arts Focus" قدمت كل من تانيا الخوري وفرح صالح مقاربتين فنيتين مختلفتين لموضوعة اللجوء التي باتت محط بحث لدى الكثير من الفنانين والفنانات.


في مهرجان أفينيون Inn، كرست ساشا فالتز، جزءاً لا بأس به من عرضها الأخير Kreatur، لترسم عبر أجساد راقصيها بعض فصول اللجوء، بينما يضع كل من الثنائي اينيس باراهوما وميغيل فراغاتا، تلك القضية نصب عيونهما عبر عرض "أبعد من الغابة، العالم" (au dela de la foret, le monde) عبر نظرة "فريد"-الطفل الأفغاني الذي هاجر الى أوروبا. كذلك، ركز غيرهاد شاهيمان، الإيراني الفرانكوفوني، في عمله "سيستطيع أن يقول دائماً أنه فعل ذلك لأجل حب النبي"، على شهادات لاجئين هربوا من سوريا والعراق وإيران... ليتناول قضايا المثليين والمتحولين جنسياً. وقام بذلك بعد جمع عدد من الشهادات من مخيم كاليه.

ثمة منحى آخر يبتعد عن الإكتفاء بتجسيد المأساة على الخشبة، عبر سرد حكاية حركية أو شفهية. إذ أنه يضع المُشاهد في صلب العمل الفني الذي لا يكتمل من دون تفاعل هذا الأخير. بمعنى آخر، المشاهد هنا، هو جزء من الفعل الأدائي في حد ذاته. هو لا يتلقى، يتعاطف أو يحلل، بل يؤدي، يختبر ويلمس.

تيمة اللجوء في تجهيز "أبعد ما تحملني البصمة"، هي سردية جديدة تتطرق إليها تانيا الخوري لتناول المأساة السورية، بعد عمليها السابقين "حدائق تحكي" و"حكايا لجوء". في "حدائق تحكي"، اشتغلت على حكايا جمعتها من أفراد سوريين، اضطروا الى دفن أقربائهم في حدائق منازلهم بعد رفض أدوات نظام الأسد دفنهم في القبور الإعتيادية. حوّلت تانيا تلك الحكايا الى تجهيز صوتي تفاعلي، يحوي 10 شهادات لهؤلاء الذين دفنوا، وجعلت المشاركين في التجهيز ينبشون مساحات رملية توحي بالقبور للوصول الى المادة الصوتية، قبل أن يتمددوا على التراب وسط ظلمة حالكة ليستمعوا إلى حكايا من ماتوا. يتمدد المشاهدون وهم يرتدون ثياباً وقفازات بيضاء كما لو أنهم خبراء الأدلة الجنائية.

في "حكايا اللجوء" تطلب خوري من ثلاثة لاجئين سوريين، تصوير فيديو حول يومياتهم في ميونيخ، لتعرض التسجيلات في حاوية شحن موضوعة في شارع مكتظ، حيث يُدعى المارّة إلى التمدد على أسِّرة حديدية لمشاهدة الفيديوهات التي صوّرها اللاجئون الثلاثة، في إحالة إلى مهجرين سابقين لجأوا الى ميونيخ في الستينيات بحثاً عن عمل.

في "أبعد ما تحملني البصمة"، وهو تجهيز صوتي تفاعلي، يجلس المشاهد أمام حائط مثقوب، ويُطلب منه أن يمدّ يده داخل الثقب وهو يسمع تسجيل صوتي لحكاية باسل. أثناء سماع الحكاية، هناك من يرسم على ساعِد المتلقي الذي لا يمكنه رؤية فعل الرسم ويكتفي بسماع باسل الآتي من مخيم اليرموك: "هادا أنا.. عم بلمس إيديكم | رح أرسم قصة على إيديكم، الرسمة فيكن تغسلوها بعد ما أخلص | أو فيكن تمشوا بشوارع المدينة وإيديكم مرسومة من قبل لاجئ | نعم. أنا واحد منهن، أنا ولدت هيك". يكمل باسل حكايته متحدثاً عن والديه اللذين لم يرهما منذ سبع سنوات. عندما يتحدث اليهما، يشعر بتعب في صوتيهما، لكنهما لم يخب ظنهما في الإنسانية...

بعد مونولوغ باسل البسيط، يسمع المشاهد أغنية راب حول معاناة مَن يهربون بقوارب الموت ويخاطرون بحياتهم ويقطعون الحدود طلباً لحياة آمنة. تنتهي الأغنية، يسحب المتلقي ساعدَه من الثقب الأبيض ليرى فيه وشماً لظلال لاجئين... ينتهي التجهيز. يخرج الشاب الذي كان يرسم الوشم، وإن تسنّت للمتلقي فرصة الحديث معه، فسيكتشف أن هذا الذي توّلى عملية الرسم ليس سوى باسل-صاحب الصوت والحكاية...

تشتغل تانيا في عروضها على المُتلقي بصفته مادة أداء في عرضها، وهدفه في آن: هي تدعوه بشكل ما ليختبر حالات متعددة من حالات اللجوء أو المأساة السورية. عندما يتمدد المشاهد/المشارك على التراب، هناك تجسيد لحالة موت ضحايا قبور المنازل، وعندما يشاهد هذا الأخير الفيديوهات على أسِرَّة حديدية، فهو يختبر حسياً بعضاً من شعور من أتوا خلسةً الى ميونيخ، وقضوا وقتهم داخل حاويات شحن على أسِرَّة حديدية. وعندما تُرسم ظلال من هُجِّروا أثناء الاستماع إلى "أربع أجيال من اللاجئين مش كتير مستنظرين من الإنسانية. هنن بعرفوا، نحنا منعرف، كيف نقاوم، وكيف ننجا، وكيف نقطع الحدود... كل الحدود"، وعندما يختار المتلقي أن يُبقي هذا الوشم على جلده لوقتٍ من الزمن، فهناك ما يترسخ في ذاكرة هذا الجلد والعين التي كلما تحركت ترى صفَّين من اللاجئين في أقرب نقطة منها. هذان الصفّان ربما يُذكّران بعض المشاهدين بصورة تطور الإنسانية، وإن كانت لا تشبهها تماماً. المُشاهد يصبح هنا جزءاً من السردية الفنية التي تقترحها تانيا الخوري، بدلاً من أن يتلقاها ويتعاطف معها أو يفكر فيها. وبالتالي، بعد أن يشيّدا معاً، تانيا والمُشاهد، هذه السردية الفنية، وبعد أن يتقاسما الأدوار: تانيا تحضرّ لفضاء عرض واختبار هذه السردية، والمشاهد يشكل المادة التي تؤدي والتي تتلقى بحواسها البصرية والسمعية والملموسة، فإنهما يتشاركان مسؤولية ما يُطرح في العرض التفاعلي.


والمسؤولية الواقعة على عاتق المشاهد أو المشارك، مختلفة عن المسؤولية المترتبة على المشاهد في عرض مسرحي لغيرهاد شاهيمان مثلاً. هنا، ثقل المسؤولية ليس مرتبطاً بمضمون العرض الذي يقدمه الفنان، بقدر ما يرتبط بالتفاعل الجسدي الذي يبنيه عمل تانيا خوري مع المشارك. يتم ذلك دون أي سعي مفرط لإستدرار العواطف وإشعار المشاهد بالذنب. مع تانيا، قد يشعر المشاهد/المشارك بالذنب، بسبب البرودة التي تُطرح من خلالها مأساة اللجوء. فطوال تجهيزها السمعي "أبعد ما تحملني البصمة"، لم يكن هناك أي جهد فائق في إبراز تراجيدية ما عاناه السوريون. الصورة تغيب. مجرد طرح وقائع بسيطة وعامة، يكفي!



المصدر: المدن