أحداث ثقافية أخرى
لا شيء اسمه "المنفى"
روزا ياسين حسن
الجمعة 6 تموز 2018

في حي اليسار في المدينة الألمانية التي أعيش فيها ثمة جملة مكتوبة بالأحمر على جدار متداعٍ تقول: الرأسمالية= الحروب= اللاجئين. حين لمحتها يوماً استيقظت فجأة لألفي نفسي في عالم لا أعرفه! غدا بلدي البعيد بعيداً جداً خلال لحظات، كأنه قطعة من كون آخر! كمن دخل بوابة سحرية لا مرئية، نقلته خلال دقائق من عالمه، الذي اعتاد عليه حدّ التماهي، إلى عالم آخر مغاير وغريب، وبدون أن يشعر بفداحة الحدث إلا عبر إحساسه بضغط في أذنيه وضجيج في رأسه! هو اليوم شخص غريب، في مكان غريب، يؤكّد له أنه غريب، ليس إلا نتيجة من نتائج الحروب!

كان ينبغي أن يكون الأمر أبسط، هكذا اعتقدنا، وأن نهرب من بلادنا إلى الـ"هناك" لنغدو بأمان بعيداً عن سطوة الموت. ظننّا هكذا بسذاجة بأنه انتقال من مكان غير آمن إلى مكان آمن، من جغرافيا منحوسة إلى جغرافيا محظوظة. لكن في الـ"هناك" كل شيء تغيّر! هل كان ذلك بسبب ما اعتدنا سماعه عن أهوال الغربة وعذابات المنفى؟! لا أعرف، ولكن لا أعتقد، فتلك الغربة المتوحشة كان يمكن أن يعيشها أناس قبل مئة عام مثلاً، لا في زمن يمكن فيه لامرأة من التيبت أن تتناول الغداء مع صديقتها في غابات الأمازون على الـSkybe. لكن ما لم تكن تتخيّل فعله في بلادك تفعله ببساطة في الـ"هناك"! لسبب ما يتضخّم الحنين ليغدو كائناً يعيش تفاصيل يومك، يكبر ويتغذى على روحك. تستيقظ يوماً لتراه احتلّ أريكتك ويشرب من فنجانك ويستعمر سريرك! فجأة ينقلب كل ما كان سيئاً ومزعجاً، بل ومقرفاً، في بلدك، إلى حالة من الجمال والقدسية ليس لها مثيل. تتغير الأشياء التي كانت بسيطة فتكتسي فجأة أهمية لا تضاهى! تتغيّر البديهيات أيضاً، وتتفاجأ بنفسك وأنت تبرّرها وتفسّرها، لأنها ليست بديهيات بالنسبة للآخر الذي يطالبك دوماً بتفسيرها! تماماً كمن يعود القهقرى في سباق للمسافات الطويلة فيما الجميع يتقدّم للأمام!

أنت في الـ"هناك" الآن، ولا يمكنك أن تزور قبر والدك البعيد، ولا أن تتلمّس أوراق شجرة الكينا فوقه كأنك تلامس روحه. هذه عيّنة من الأفكار التي تنهشك يوماً بعد يوم. لا يمكنك كذلك أن تشتمّ روائح أو تلمح وجوهاً لم يكن يخطر ببالك يوماً أن تفتقدها! وعلى الرغم من أن بلدك "البعيد" لا يبعد أكثر من أربع ساعات طيران، إلا أنه صار فجأة بعيداً للغاية كأنه حقاً قطعة من كون آخر! ووسط كل تلك الدوامة تلفي نفسك عاجزاً عن الفهم، ومجرد نتيجة أخرى من نتائج الحروب الكارثية!

في بلدي البعيد لم أكن أعرف بأني ساحرة، هذا ما صرت تدريجياً أدركه في الـ"هناك". لم أكن أعرف بأن اللغة هي عصاتي السحرية. كنت أعيش كما تعيش معظم الساحرات من دون إدراك لقوة سحرهنّ. وبالمناسبة ثمة الكثير من الساحرات في بلدي البعيد. لم أدرك ذلك حتى ألفيت نفسي فجأة في الـ"هناك" بدون عصاي. كيف يمكن لساحرة أن تمارس سحرها من دون عصاها السحرية؟! جُرّدت بلحظة من كل قوتي: اللغة، التي قضيت عمري أراكمها كلمة وراء كلمة. تغيّر اللغة لا يعني تغيّر الكلمات أو الألفاظ، تغيّر اللغة يعني تغيّر نمط التفكير، فلكل لغة عواطفها ومزاجها.. وإيديولوجياتها. هذا يعني أن تعويذات السحر القديمة التي قضيت عمري أتعلّمها لا تساوي في الـ"هناك" شيئاً، ليست أكثر من فلكلور غريب تقوله امرأة غريبة ويسلّي جمهور المسرح. تتحوّل الساحرة في لحظة إلى مجرّد كائن مهمل ونتيجة من نتائج الحروب.

وأعود لأفكر بماهية الوطن كمكان متخيّل، أقرب إلى وصف ميتافيزيقي طوباوي. فالرحيل عن مواطن غذائنا الروحي وأن نفقد بلحظة كل ما نعرفه، يجعلنا نعيد تعريف الوطن! فسوريا ليست قطعة أرض، ليست جغرافية أثنية فحسب، بل هي ذاكرة، ونحن ببساطة كائنات من ذاكرة، نكتب كي لا تتبدّد الذاكرة، ونعيش لنبني الذاكرة، ونحارب كي لا تمتصّنا الذاكرة نفسها كثقب أسود.. علاقة جدلية معقدة!

في صباحات مدينتي البحرية البعيدة كان عليّ أن أخرج قبل المدرسة لأشتري الحليب من دكان عيّاش في نهاية الحارة. ينظر إليّ ويسألني: ماذا تريد؟ يخاطبني كمذكّر! رغم أن أمي كانت تربط شعري بشرائط ملونة، وأبدو كفتاة ذاهبة إلى مدرستها. غضبت منه حتى عرفت بأنه "تركماني"، فهناك الكثير من التركمان والأرمن في مدينتي، قدموا في بدايات القرن الماضي في هجرات تناشد الحياة هرباً من الموت، تماماً كهجراتنا نحن السوريين اليوم. كان من الصعب عليهم أن يميّزوا المذكّر والمؤنث بالعربية. نظرات عيون العرب، المستغربة دوماً والساخرة أحياناً، وهم يسمعون تلك الأخطاء اللغوية الفادحة، ستهجم عليّ كقطيع ثيران هائجة أُطلق سراحها بعد حبس طويل في الـ"هناك". الذاكرة بالمناسبة يمكن أن تكون قطعاناً هائجة، كما يمكنها أن تكون حفنات من الورود، الأمر منوط بالحالة فحسب. في حالتي هذه أنا "الأجنبية" التي يصعب عليها التمييز بين المذكر والمؤنث في الألمانية، كما كان "عيّاش" يوماً في بلدي، وأراقب نظرات العيون المستغربة دوماً والساخرة أحياناً. هذا يعني أنك تعيد في الـ"هناك" اجترار الذاكرة حدثاً حدثاً، تعيد فهمها وتحليلها، كما فهم ذاتك وثقافتك وقيمك، كمن يعيد مشاهدة فيلم مرة بعد مرة، وفي كل مرة يكتشف تفصيلاً أو معنىً غائباً، وإثر تلك الاكتشافات يصطدم بحقيقة أنه لم يكن قد فهم شيئاً من كنه الفيلم!

بعد كل تلك الدوامات يمرّ وقت ويقتنع المرء بعدم وجود شيء اسمه "المنفى" بالمعنى الكلاسيكي، بل نحن الذين نخلق "منافينا"، ونقرّر إن كان ما نعيش فيه منفى أم لا. ستكون فكرة صادمة في البداية، خصوصاً للذين اعتادوا ألّا يتلقوا الأفكار جاهزةً، حتى ليبدو الأمر لهم أشبه بالخيانة! فيفكّر أحدنا: اللغة لم تعد مشكلة فالمرء يعتادها، ولا القوانين فإنه يفهمها مع الزمن، ولا الوسط الاجتماعي لأنه يُخلق مجدّداً، ولا الأماكن لأن ذاكرة جديدة معها تتشكّل. وذلك الشعور بالغربة كان موجوداً في بلادنا التي أجبرتنا أن نغدو في يوم وليلة من نواتج الحروب، وثمة من يعيش في بلده اليوم ويشعر بغربة المنافي، لكنه كان شعوراً مطموراً ولم يخرج إلا في الـ"هناك"! إذاً فغربتنا في دواخلنا وليست خارجة عنا! هل لأنه من الأسهل الاستسلام لحياة واحدة عشنا تفاصيلها، ولانتماء وهوية محدّدين معروفين؟! وبالتالي من الصعب أن نقتنع بأن الحياة أغنى من ذلك. أم لأننا خسرنا شيئاً لا يمكن تعويضه أبداً وهو: الأحلام؟!

لنرى إذاً، ما عشناه هو جزء مهمّ من حياتنا ولكن ليس كلها، والذاكرة أمر لا يمكن تبديده. مع الزمن ربما علينا الاعتراف بأن الجغرافيا ستبقى جغرافيا، وما يهمّ هو الإنسان. وما المكان والعادات والتقاليد والثقافة إلا أكسسوارات للعيش تختلف وتتبدّل، فيما العيش الحقيقي هو في دواخلنا كبشر. ربما بدّد هذا الاعتراف بعضاً من المنافي، ولن نكون وقتها، كلاجئين، نتيجة كارثية أخرى من نتائج الحروب.


المصدر: المدن