ما الذي يجعل أعمال أسامة بعلبكي، التي يعرضها غاليري صالح بركات (حتى 25 آب) رسوماً ملفتة؟ من الممكن الاستعجال في القول أن سبب ذلك هو موضوعها المشهدي، الذي غالباً ما يبدو موضعاً في مكان مديني أو جسدي أو غيرهما. لكنه ليس كذلك، لأن الموضوع، وبإبعاده عن رسمه، لا يحمل بذاته مفعولاً قاطعاً أو وافراً. ومن المتاح الإعتقاد أن داعي التميز هو اللون بوصفه طلاءً وضوءاً، غير أنه، وعلى الرغم من كونه شكل لأسلوب فنانه، لا يؤدي سوى إلى إبانة الشدّة على بسيطة هذا الشكل. ربما يقع السبب داخل الموضوع المشهدي بلونه وضوئه، وهو يؤلف الشكل إياه، ويرسيه على، من ناحية، ثخونته، وليس كثافته، ومن ناحية أخرى، على تجمعه.
هذا المأتى هو المعنى الذي تتقاسمه غالبية رسوم بعلبكي، ومفاده وقوع حدث معين فيها. لكنه سرعان ما يستحيل معلقاً، وبالتالي، يصير بلا وقع، أو بالأحرى يصير وقعه مجمداً. بعبارة أخرى، ثمة وقوع محتبس في كل رسم، واحتباسه لا يشير إلى كونه مكتوما، أو إلى كونه ملغى، بل إلى أنه مقيد بحدٍ، لا يمكنه أن يتعداه. والعلامة على ذلك هي أنه يفضه، تاركاً إياه مكوماً فوق بعضه البعض. وفي الوقت نفسه، هو مخلخل التصميم. فض الحد، أي المشهد المرسوم، يحوله إلى حد مسكوب، كما يحوله إلى حد ثابت، وفي النتيجة، يكون مصبوباً ومتوقفاً على لحظة تستمد كل أثرها من حالته هذه: مرور الطائرة، المفرقعات، الوقوف على السطح، مرور الغيوم...
بالإضافة إلى فضه للحد المشهدي، يظهر الوقوع المحتبس في هذا الحد من خلال ميله إلى مدى ما، كالسماء، أو أفق المدينة، أو الردهة، أو المرآة، أو الجدار. وفي الكثير من الأحيان، يبدو هذا المدى، أكان حاضراً أو غائباً، أي تحقق الميل إليه، منقطعاً، وقبل ذلك، يبدو منزوعاً، فلا يكفل دوره الأساس: فتح مساحة للنظر لكي يطيل فيه. وحتى عندما يكون المدى هو كل المرسوم، كأن تكون السماء في مغيبها كل العمران، فهذا لا يحمل على فتح مجال للعيون لكي تمعن، لكي تبعد، بل لكي تحملق، أو لكي تلقي بنفسها دفعةً واحدةً.
كيف نتفرج على المرسوم بالإنطلاق من وقوع محتبس؟ عبر الحملقة، أو بطريقة خفيفة تساعد على تلافي اللبوث. يضيع النظر في تشكيل المشهد، لا سيما حين يكون المدى بمجمله. وفي النهاية، يكتشف الرائي أنه ليس سوى مدى منقطع ومنزوع، أو يعبره بلا ضياع وبلا عثور، بل يكتفي بتصويريته. فتعاطي المرسوم، في هذا السياق، بالإستناد إلى تصويره لوضع فقط، ليس إلا اختياراً لاحتمال من احتماليّ النظر، وهو خيار يعفي مما تستلزمه الحملقة من تركيز. غير أنه، وبالتوازي، يمنع العيون من اختبار الحد المشهدي، من تأكدها من كونه بلا مدى حتى لو كان كله مدى، وهكذا، يضحى من المتاح للعين أن ترى. الحملقة سبيل إلى الرؤية، رؤية أن الوقوع محتبس، لكن العبور بالعيون ليس سوى نفي لتجربة الرؤية إياها.
قد تكون لوحة "ليلة منهكة" هي ملخص كل هذا، بحيث أنها تصرح بالآتي: "بعيدون من الوقوع لأننا لا نتلقاه بفعل احتباسه الذي يؤلفه كشكل فقط، فمهما حاولنا أن نشعر به، أو أن نبحث عن مدى فيه، لا نقدر البتة". ومن هنا التعب، ومن هنا أفول النهار أيضاً. مرةً، بشمس غاربة، ومرةً، بالإنتظار. بعد ذلك، الظرف ملائم للغاية لكي يكون بورتريه بودلير بين رسوم بعلبكي، ما دام من السانح الخلاص إلى أنها رسوم لأسى يفرزه احتباس الوقوع، الذي "يسكب لنا نهاراً أسود أكثر حزناً من كل الليالي".
المصدر: المدن