أحداث ثقافية أخرى
النساء من قاعدة الهرم إلى منتصفه في «الثورة الصناعية الرابعة»
أمينة خيري
الجمعة 18 أيار 2018

 يبدو الحديث عن دور النساء في الثورة الصناعية الرابعة، وكيف يمكن هذه الثورة الوليدة أن تستفيد من نصف سكان المعمورة الذين جرت العادة على إقصائهم جانباً لأنهم نساء، أمراً بالغ الصعوبة. فمن جهة، فإن دور النساء فيما سبق من ثورات صناعية وما بينها أقرب ما يكون إلى التقزّم، إما لظن بأنهن غير قادرات على البناء والإضافة، أو لإصرار على وضع العراقيل أمامهن بدءاً بأدوارهن التقليدية في البيت، مروراً بعدم القدرة على المواءمة بين حياتهن العملية والشخصية، وانتهاء باعتقاد لدى النساء أنفسهن إنهن غير قادرات على خوض مضمار التقنيات الحديثة والأتمتة والتكنولوجيا الرقمية، باعتبارها مجالات لا يفهم فيها إلا الرجال.

لكن إمكانات النساء وفرصهن أو بالأحرى قلة فرصهن تؤهلهن ليدخلن الثورة الصناعية الرابعة من أوسع أبوابها، ويكون لهن دور ريادي فيها. ولم لا، والمؤشرات الموجودة على الأرض، بما فيها أفريقيا تؤكّد أن النساء كن ضمن الفئات الأكثر إفادة من تكنولوجيا المعلومات.

الجلسة المخصصة للمكوّن النسائي في الثورة الصناعية الرابعة في مؤتمر «ساي فاي أفريقيا» في دورته السادسة التي نظّمت في مدينة طنجة المغربية أخيراً تحت عنوان «التكنولوجيا والابتكار والمجتمع»، استعرضت تجارب عملية وشخصية لسيدات من الصين والولايات المتحدة وأوغندا وفرنسا والكاميرون وغيرها، حيث نجحن في خوض مجال العمل التقني وفي الوقت ذاته القيام بأدوارهن الاجتماعية والشخصية إضافة إلى مساعدة أخريات.

خبراء كثر، وفي مقدّمهم المؤسس الرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) البروفسور كلاوس شواب، يرون أن الثورة الصناعية الرابعة ستكون أكثر إنصافاً للمهمّشين اقتصادياً، وعلى رأسهم النساء اللاتي يشكّلن نسبة معتبرة من قاعدة الهرم الاقتصادي والاجتماعي في بلدان العالم. فهذه الثورة التي بدأت بالإنترنت قبل نحو عقد ونصف العقد أتاحت لهذه الفئات الأقل حظاً القدرة على الوصول إلى المعلومات والخدمات بسهولة وكلفة قليلة جدًا.

جدية الدور النسائي في الثورة الرابعة تحدّثت عنها جيزيل ينامبن مؤسِسة جمعية تدعم النساء في مجالات ريادة الأعمال الصغيرة في فرنسا والكاميرون. فهي تعمل على تدريب الفئات الأقل حظاً والأكثر تهميشاً وتمكينها لا سيما النساء والشباب على الخروج من دائرة الفقر والعوز وانعدام فرص العمل من خلال تقنية المعلومات. وتقول إن آلاف النساء والشباب حققوا نقلات نوعية لأنفسهم وأسرهم من طريق التمويل البديل، والتدريب على مهن تتطلّب مهارات بعينها وتعتمد كلها على تقنية المعلومات عبر هاتف خليوي.

ومن الهاتف الخليوي إلى مكتب العمل المنزلي حيث استعرض الحضور من النساء تجارب حقيقية عن التحوّل من العمل في المكتب كل الوقت إلى العمل من البيت وفق الوقت المتاح، لا سيما في السنوات القليلة التي تعقب الإنجاب. لكن يبدو أن أكثر المجتمعات انفتاحاً وتقدّماً لا تزال تتعجب لفكرة العمل من البيت حتى لو كان طوال الوقت. تقول استشارية الجندر جنيفر لويس، التي تعمل من البيت، إنه كلما اتخذت إحداهن قراراً بالتحوّل إلى العمل من البيت، تواجه سؤالاً: «لماذا تركتِ العمل؟» وكأن العمل من البيت ليس عملاً!

العمل الذي يشبّهه بعضهم بالفيل الذي يدهس المرأة وحياتها الشخصية ودورها الاجتماعي، يرى آخرون أنه يحمل لها آفاقاً إيجابية وفرصاً غير تقليدية مع قدوم الثورة الصناعية الرابعة. أحاديث عدة معضدة بتجارب حقيقية دارت حول قدرة الثورة الصناعية الرابعة المقبلة لا محالة والتي ستحوّل شكل العلاقة بين العمل والصناعة والحكومات. وعلى رغم أن هذا التحوّل يبحث ويدرس في دوائر عدة حول العالم، إلا أن قليلين فقط من التفتوا إلى أثر هذه التغيّرات على النساء. وعلى رغم أن الأنماط الاجتماعية المختلفة تعرقل عادة مشاركة النساء في أماكن العمل التقليدية، إلا أن مؤتمر طنجة أثبت بطرق عدة أن وجود النساء في قطاع الاقتصاد غير الرسمي في شكل كثيف سيخلق لهن فرصاً لا حدود لها في الثورة الصناعية الرابعة.

وعلى رغم أن آثار الأتمتة بدأت تظهر في شكل جلي في أماكن عمل عدة حول العالم، حيث حلت آلات محل أفراد بدءاً بالإعلام مروراً بالتصنيع وانتهاء بأعمال الزراعة والتعدين. ووفق تقديرات عدة، يتوقع أن تنتهي 47 في المئة من فرص العمل في الولايات المتحدة خلال عقد من الزمن حيث يحل الروبوت محل البشر. مهندسة الكمبيوتر الأميركية من أصول صينية آنا لي والتي تخلت عن عملها في «أمازون» وفق دوام كامل وأسست شركة صغيرة تدمج فيها علوم الكمبيوتر بمجال الجندر، لفتت الانتباه إلى أن النساء يدعمن العمل دعماً مجانياً. فهن يقمن بكم مذهل من العمل في داخل البيت، إضافة إلى العمل خارجه أحياناً، وذلك من دون مقابل. والنتيجة هي أنهن يقدّمن دعماً مجانياً لأصحاب العمل، إذ يتحن الفرصة كاملة للرجال للقيام بأعمالهم من دون المشاركة في ما يقمن به من أعمال بيتية.

صحيح أن وجهة النظر هذه مغرقة في النسوية، إلا أن صاحبتها تستخدمها لدعم مقترحات وأفكار وابتكارات تعتمد على تقنية المعلومات وسد الفجوات الكثيرة التي تجد المرأة نفسها ضحية لها، حتى تتمكن من الإفادة القصوى من الثورة الرابعة، بدءاً بالفجوة الكبيرة في نسبة الأمية حيث إن ثلثي من يعانون الأمية في العالم (حوالى 175 مليون شخص) نساء، مروراً بمواجهة أنواع العنف المختلفة التي تستهدف النساء وتحدد تحركاتهن وتحدّ من طموحاتهن، وانتهاء بدعم النساء وتشجيعهن على التخصص في مجالات الهندسة والعلوم والطب وغيرها من الاختصاصات التي تفرض المجتمعات، بما فيها المتطورة منها، نوعًا من المحاذير والعراقيل أمام النساء تحول دون التخصص فيها.

أروقة المؤتمر أشارت إلى أن هناك نوعاً من العزوف النسائي عن دراسة الطب والهندسة وعلوم الكمبيوتر، سواء بسبب صور نمطية تقليدية عن النساء أو لصعوبات يضعها المجتمع. فنسبة 35 في المئة فقط من متخرّجي العلوم والهندسة في الولايات المتحدة نساء. وفي نيجيريا تأسست جمعيات هدفها دعم الفتيات الصغيرات في مراحل الدراسة الأولية وتشجيعهن على خوض مجالات العلوم والرياضيات بهدف حضهن على التخصص فيها لاحقاً.

الاستشارية في مجالات التنمية البديلة في أوغندا سوزان باكيشا تلفت إلى أن أفريقيا عموماً تعاني فجوة كبيرة بين الجنسين في مجال دراسة تقنية المعلومات والتكنولوجيا، حيث يهيمن الرجال على هذه المجالات الدراسية، ومن ثم العملية. وهذه المجالات هي التي تخطط شكل المستقبل القريب جداً حالياً، ما يعني إعادة استنساخ هيمنة الرجال على المناصب القيادية في مجالات العمل التقليدي. وتسأل: «كيف نتوقع ممن درس وتخصص وعمل في مجال ما أن يترك مجالاً لغيره لينتفع به؟ وغيره هنا هن النساء»!

وعلى رغم عدم وجود وصفة واضحة المعالم لضمان إفادة النساء من الثورة الصناعية الرابعة، نظراً لاختلاف ظروف ومشكلات كل بلد ومشكلاته، إلا أن الملامح العامة واضحة. مطلوب دعم الفتيات وتشجيعهن على الدراسة والتخصص في المجالات التي تشكّل مكونات الثورة الصناعية الرابعة ليكنّ في قلبها. كما ينبغي تمكين النساء تقنياً حيث إن طبيعة ثورة المعلومات وإتاحتها بنقرة زر من شأنها أن تساعد ملايين النساء على إقامة مشاريع وإدارتها والابتكار فيها من دون تكبّد عناء الصراع خارج البيت. كما ينبغي إدخال تغيّرات حقيقية على بيئة العمل عموماً، وهي البيئة التي صنعها الرجال وحددوا معاييرها والتي تعدّ عوامل طاردة للنساء، من حيث عدم مواءمتها وظروف الأم عقب الولادة، وساعات العمل الطويلة، ناهيك بالتحرّشات والرشى الجنسية وغيرها.

الثورة الصناعية الرابعة تأتي بسرعة ومن دون تردد حاملة فرص عدة، لا سيما للنساء القابعات منذ عقود في قاعدة الهرم واعدة إياهن بدفعهن على الأقل إلى منتصف الهرم، لكنها تحمل أخطاراً أيضاً قد تدهسن تماماً إن لم تستعد بلدان العالم، كل وفق ظروفها وطبيعة مشكلات نسائها، للثورة المقبلة بروبوتاتها المستبدلة للبشر في مهن بعينها، وفرصها الجديدة المفتوحة على مصاريعها في مجالات خصبة لم تستهلك بعد.

يذكر إلى مؤتمر طنجة نظّم بالتعاون بين وزارة التجارة والصناعة والاستثمار والاقتصاد الرقمي المغربية ومجلس جهة تطوان الحسيمة ومركز الدراسات والأبحاث الهندي «أو. آر. إف».





المصدر: الحياة