أحداث ثقافية أخرى
وثائقي عن حلم الهروب من الوطن ومشقّاته
قيس قاسم
الجمعة 13 نيسان 2018

حلم الهروب من كوريا الشمالية الى الجنوبية يدفع ثمنه غالياً الطامحون اليه. ومع ذلك، يجازف الآلاف منهم من أجل خوض التجربة. وهذا ما يعرضه الوثائقي الفرنسي «كوريا: ثمن الحرية» عبر مرافقته لشابتين وصلتا الى الصين بطرق غير شرعية، وكانتا تستعدان للسفر منها الى كوريا الجنوبية عن طريق فيتنام، عبر هويات شخصية مزورة. دخلها فريق العمل غرفةً صغيرة وصوّروا اللحظات التي كانت فيها سونغ هي وصديقتها مينا، تجهزان حقائبهما الصغيرة، بالتعاون مع رجل كوري ساعدهما في الحصول على الوثائق.

علامات الخوف كانت ظاهرة عليهما والسبب يوجزه كلام سونغ عن تجربتها الصينية: «يوم وصلت الصين عبر النهر الفاصل بين الحدود، وقعت في قبضة مهربي البشر. باعوني الى عجوز صيني. عملت كخادمة و «زوجة» له مدة من الزمن، لكنني قررت بعدها الهرب منه. أنا خائفة من الشرطة الصينية لأنها في حالة إلقائها القبض علينا سوف تقوم بتعذيبنا وإعادتنا الى كوريا».

يدخل سنوياً الى الصين آلاف الشماليين. يبقون فيها بشكل غير شرعي لعدم معاملة سلطاتها لهم كـ «لاجئين» وبالتالي يكونون عرضة للاستغلال بشع، كما تخبرنا تجربة مينا المريرة، بعد فشل محاولة هروبها الأولى، فتقول: «كنت في السابعة عشرة من عمري يوم وصلت إلى بكين تهريباً، وبعد إلقاء القبض عليّ رحّلتني الشرطة الى بيونغ يانغ. هناك حُكم عليَّ بالسجن، بتهمة الانشقاق، وبعد إطلاق سراحي ها انا أحاول ثانية». لا تخفي مينا شعورها بالحنين والخوف من المجهول، وعلى رغم قوة الدافع لتركها البلاد، فإنها تحنّ الى أهلها الفقراء فيها وتحيل كل ما هم عليه من بؤس الى طبيعة النظام الديكتاتوري «الكوريون الشماليون بسطاء وفقراء. لا يعرفون شيئاً عما يجري خارج بلادهم، ما يعرفونه هو ما يسمعونه يومياً من دعاية تمجد الزعيم كيم جونغ أون ونظامه. أنا أيضاً لا أعرف الكثير عن العالم وأخاف مما ينتظرني الآن».

يرافق معدّو الوثائقي الشابتين في رحلة القطار الى الحدود الفيتنامية، المحفوفة بالمخاطر. بعد تدقيق وتفتيش طيلة الرحلة، وعناء سفر دام ثلاثة أيام، دخلتا الى الحدود الفيتنامية وهناك استقبلهما كوري «منشق» كرّس حياته لتقديم المساعدة للهاربين من الشمال. وبمساعدته دخلت سونغ هي، كوريا الجنوبية مشياً عبر الغابة الكثيفة فيما انتهت رحلة صديقتها عند تلك النقطة، انتظاراً لترتيب وثائقها الشخصية الصحيحة.

لم تكن تجربة الشابة سونغ في الجنوب سهلة. لقد تم استجوابها لأشهر من أجهزة الاستخبارات للتأكد من كونها ليست جاسوسة للشمال. الصعوبات لم تنته مع انتهاء التحقيقات، وحصولها على حق الإقامة، لأن كل شيء بالنسبة اليها كان جديداً؛ أسلوب الحياة الرأسمالية، العلاقات الاجتماعية الفردانية، وصعوبة الاندماج. مع كل تلك الصعوبات بدت سونغ سعيدة بوصولها، وحين التقى بها معد البرنامج ثانية في سيول بدت شخصية مختلفة. أخذتهم معها الى شقتها الصغيرة وحكت لهم عن حياتها الجديد، التي لا يمكن مقارنتها بالقديمة من ناحية الحرية على أقل تقدير. فتقول: «هنا أنا أتمتع بحرية كبيرة، لا أحد يراقبني ويسجّل كل كلمة أقولها».

سونغ حالفها الحظ ووصلت الى برنامج تلفزيوني يعرض تجارب الكوريين الهاربين من بلادهم. مقاطع مما سردته عن هروبها والأهوال التي لاقتها خلالها أبكت الجمهور، وساعد تعاطفهم معها في حصولها على فرصة عمل. على الطرف الثاني، يلعب النظام في الشمال لعبته الدعائية عبر تضخيم حالات رجوع قليلة من الجنوب، واحدة منها لممثلة مشهورة أمضت جزءاً من حياتها في سيول لكنها قررت العودة والظهور في القناة التلفزيونية منتقدة النظام الرأسمالي الجنوبي، وتفضيلها الاشتراكي عليه. أثار ظهور الممثلة اشاعات حول خطفها بالقوة وإجبارها على الكلام، ما استدعى الوثائقي للذهاب الى مجموعة من الهاربين وسؤالهم ما إذا كانوا نادمين على تجربتهم.

لم يعلن أحداً عن ندمه بل أكد معظمهم فرحتهم بالحياة الحرة التي يعيشونها. وبرّروا سبب عدم اختلاطهم بـ «صعوبة التأقلم مع المجتمع الجديد». وكما قالت سونغ: «نحن نتشارك التجارب نفسها الهموم ذاتها، لهذا يسهل علينا الاجتماع، وتبادل الأحاديث. صداقاتنا أمتداد لجذورنا الشمالية، لكنّ حياتنا عملياً أصبحت هنا».

وحول سؤال العودة أجاب معظمهم بأنهم لا يفكرون فيها مطلقاً، بخاصة في ظلّ وجود نظام كيم جونغ أون الذي راح يشدد على الحدود ويحشد القوات بالتزامن مع تصعيد تهديده النووي. الشارع الجنوبي ضدّه لكنّه خائف منه. وبالنسبة الى الهاربين منه فإنهم يجدون في سلوكه المقامر والعنيف عوامل تشيع الخوف في قلوب مواطنيه وتحد من الهجرة. سلوك يفسر لماذا رفضت الشاباتان بداية التصوير اظهار وجوههن؛ خوفاً على حياتهن وحياة عوائلهن.

يذهب الوثائقي الى تصوير أكبر سجن «للمنشقين» في الشمال عن بعد ويعرض تسجيلات مهربة لطريقة تعامل ادراته مع المُعادين اليه بعد فشل محاولتهم. مشاهد فظيعة تفسّر بدورها لماذا يغامر الشماليون بحياتهم في سبيل التخلص من قمع سلطوي وانتهاك للحريات مهما كان الثمن!





المصدر: الحياة