أحداث ثقافية أخرى
التربية والثقافة والإعلام قطاعات مؤثرة في صناعة الاستقرار العربي
رنا نجار
الجمعة 13 نيسان 2018

بحث 17 متخصّصاً، في اليوم الثالث لمؤتمر «فكر16» المقام في دبي، كيفية صناعة الاستقرار من خلال مساهمات القطاعات المؤثّرة وهي الإعلام والتربية والتعليم والثقافة والإعلام الرقمي والتواصل الاجتماعي.

وعُقدت ثلاث جلسات متزامنة أمس (الخميس)، حملت عناوين مختلفة، شارك فيها 17 متخصّصاً من العالم العربي، وتناولت الجلسات القطاعات المؤثّرة في العقل العربيّ ووجدانه، وكذلك في تكوين القِيَم والاتّجاهات المجتمعية.

ناقشت جلسة «الإعلام» أدوار الإعلام المرئيّ والمكتوب، والتي تتراوح بين السلبيّة كترويج أخبار كاذبة والتحريض على الانقسام والفوضى والتطرّف، والإيجابيّة كتصحيح المفاهيم وغرس قيم التكامل الوطني وتنميتها. وأكد وزير الإعلام اللبناني ملحم الرياشي أن الإعلام اليوم أصبح إعلاماً أفقيّاً وحادّاً لا يتعامل مع الأحداث بدقّة وعمق، وأصبح إعلام النتيجة من دون قراءة مُعمّقة للأسباب، وهو إعلام خاضع لتوتاليتارية وسائل التواصل الاجتماعي، الذي تملكه شريحة كبرى لا تهتمّ بالدقة، وذلك يعود لسببين: ضيق الوقت بسبب الطبيعة الاستهلاكية للحياة، وفقدان قيمة الجدل بطبيعته الفلسفية والثقافية والاجتماعية ولذّته، إذ لم يعد هناك مكان لهذا الجدل وصولاً إلى تبسيط الأمور وتسطيحها.

ورأى الرياشي أنّ صحافة اليوم هي في أغلبها نمطية تخدم مجتمعاً ينفعل الانفعالات نفسها ويخضع للمؤثّرات ذاتها، ويسعى إلى تعليب العقول الذي يتمّ وفق آلية خطرة، عبر حشرجة صالونات السياسة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. وأكّد أنّ الحلّ يكون بإعادة المشهد إلى أصله، إلى القيم المشرقية التي يمكن تصديرها إلى العالم، داعياً إلى وضع خطّة تنفيذية برسم المسؤولين في دولة الإمارات العربية والمملكة العربية السعودية والدول المسؤولة، تقوم باستنهاض العقل العربي من جديد.

وتحدّث مدير عام «أبو ظبي للإعلام» علي بن تميم عن دور الإعلام الثقافي في أربعة مجالات هي: محاربة التطرّف والإرهاب، وتشكيل الوعي المجتمعي، وبناء القِيم، وبناء الهويّة. وأكّد الدور المعرفي والتنويري الذي يجب أن يضطلع به الإعلام في التصدّي للإرهاب، ومحاولة تأسيس وعي يقوم على العقلانية، داعياً إلى لاستثمار بقوّة في الإعلام الرقمي، ليصبح إعلاماً معرفياً ثقافياً تنويرياً، يُحدث الأثر الإيجابي المطلوب.

وأكّد بن تميم أنّ الإعلام الرقمي يطرح مجموعة من التحدّيات، وهو يتميّز بالحرّية في اختيار الموضوعات وتحرير النصّوص وسهولة البثّ وقلّة التكلفة، كما تمتاز منصّات الإعلام الإلكتروني بكونها متاحة أمام الاتّجاهات والأفكار كافة. واعتبر أنّ جائزة الشيخ عبدالله بن زايد للمسؤولية المجتمعية، التي تشمل الأفراد والمؤسّسات، من التجارب الإيجابية في هذا الميدان.

 

جلسة التربية والتعليم والثقافة

قد تكون جلسة التربية والتعليم والثقافة من أكثر الجلسات أهمية في المؤتمر نظراً إلى طرحها قضايا مرِنة في صميم الاستراتيجية العربية لصناعة الاستقرار. وقال علي راشد النعيمي الرئيس الأعلى لجامعة الإمارات العربية المتّحدة إن الوصاية الكاملة في التعليم انتهت اليوم، ومن المهمّ أن نقدّم تعليماً مرِناً وفق خطّة طويلة الأمد للطفل العربي من دون تحديد خياراته أو ما عليه أن يعرفه، فهو سيتعلّم وحده من دون أيّ نظام متأطّر. ولفت إلى أنّ اﻟﻤﻨظوﻤﺔ اﻟﺘﻌﻠﯿﻤﯿﺔ تأتي ﻋﻠﻰ رأس أوﻟوﯿﺎت اﻟﺤﻛوﻤﺔ اﻻﺘّﺤﺎدﯿﺔ، وهي ﺴﻌت إﻟﻰ ﻤواءﻤﺔ اﻟﻤﻨﺎﻫﺞ واﻟﻌﻠوم اﻻﺠﺘﻤﺎﻋﯿﺔ واﻟﺘرﺒﯿﺔ اﻟوطﻨﯿﺔ ﻤن ﺨﻼل اﻟﻤؤﺴّﺴﺎت اﻟﺘرﺒوﯿﺔ واﻟﺘﻌﻠﯿﻤﯿﺔ اﻟﻤﻌﻨية، ﻠتُلبّي اﻟﺤﺎﺠﺔ إﻟﻰ ﺘوﻋﯿﺔ اﻟطﻼب وﺤﻤﺎﯿﺘﻬم ﻤن اﻟوﻗوع ﻓﻲ براثن اﻟﺘطرّف واﻹرﻫﺎب، واﻟذي يُعدّ ﻤطﻠباً مُتّسقاً مع اﻟﺨطط اﻟﺘﻌﻠﯿﻤﯿﺔ ﻟﻠدوﻟﺔ التي تُشكّل جزءاً من رؤية 2021.

وشدّد النعيمي على أهمّية ﺘﻨﻤﯿﺔ اﻟﻤﻬﺎرت اﻟﺤﯿﺎﺘﯿﺔ وﻤﻬﺎرات اﻟﺘﻔﻛﯿر اﻟﻨﻘدي واﻹﺒداﻋﻲ والابتكاري ﻟدى اﻟطﻼب ﻓﻲ ﻤراﺤل اﻟﺘﻌﻠﯿم اﻟﻤﺒﻛّرة، ﻤن أﺠل ﺘﻌزﯿز ﺜﻘﺘﻬم ﺒﺄﻨﻔﺴﻬم، وﻗدرﺘﻬم ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻌﺒﯿر ﻋن آراﺌﻬم، وﻗدرﺘﻬم ﻋﻠﻰ ﻤﻤﺎرﺴﺔ اﻟﺘﻔﻛﯿر اﻟﻤﻨﻬﺠﻲ، واﻟﻘﯿﺎم ﺒﻤﻨﺎﻗﺸﺔ اﻷﻓﻛﺎر وﻏرﺒﻠﺘﻬﺎ وﺘﻘويمها، داعياً إلى تفعيل دور الشباب ودعم السياسات الوطنية وتعزيز الشراكات الدولية وتطوير البرامج التعليمية والتربوية القائمة.

وتحدّث الناقد السينمائي والكاتب إبراهيم العريس عن الفرص التي أضعناها على مدى تاريخنا الحديث، واستشهد بالمفكّر الكبير هربرت ماركوزة الذي بعدما استفاض في شرح أحوال العالم، وحرّض على انتفاضات عام 1968، وجد نفسه يتّجه صوب الفنون وقضايا الفكر ليقول إنها ربما ستكون سبيل الإنسان، فرداً ومجتمعات إلى التحرّر. وأكّد أنّ طريق الوعي الإبداعي دربٌ قد يقودنا نحن العرب أخيراً للخروج من الماضي ودخول التاريخ، والدخول في ديناميّة التاريخ الذي يتضمّن دخول زمن العالم وقبول الآخر والتفاعل مع العقل المنطقي.

واستشهد الدكتور طارق خواجي أمين مكتبة مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي «إثراء»، في مداخلته بكتاب «نظرية علمية في الثقافة ودراسات أخرى» لبرونيسلاف مالينوسكي، الذي اعتبر فيه أنّ هناك بديهتين تكمنان وراء أيّ نظرية علمية للثقافة، وهما، أوّلاً أن كلّ ثقافة يجب أن تُشبع الحاجات البيولوجية للإنسان مثل التغذية والتناسل والحماية من قسوة الظروف المناخية ومن الحيوانات المفترسة. وثانياً، إنّ الإنجاز الثقافي ما هو إلّا تدعيم آلي وتلقائي للفسيولوجيا البشرية، لأنّه مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بإشباع الحاجات البيولوجية.

وأشار إلى تأثير مشروع «إثراء» في المشهد الثقافي في السعودية، وهو يقوم على 3 محاور رئيسة هي: نشر المعرفة، ورعاية الإبداع، والتواصل الحضاري والثقافي. وأكّد أنّ شعار «إثراء» منذ انطلاق المشروع هو أن تكون كلّ واحدة من هذه التجارب تجربة صانعة للتحوّل، ليس للمشاركين فحسب بل ولمصمّمي البرنامج وفريق «إثراء»، الذي يحلم بأن تُساهم جهوده وفي شكل فاعل في التحوّل إلى مجتمع المعرفة، الذي لا يتوقّف عند استهلاك المعرفة، بل يسعى حثيثاً إلى إنتاجها، لتكون ثقافتنا العربية مصدر رخاء واستقرار حيث التنمية هدف واحد يحمله الجميع على عاتقهم».

وقال الباحث والأستاذ في جامعة الدراسات الاجتماعية في جامعة نواكشوط عبدالله السيد ولد أباه، إنّ «مطلب الاستقرار السياسي والاجتماعي أصبح اليوم الهدف الأسمى للفاعلين في الحقل العمومي، باعتبار أنّ التحوّل الديموقراطي نفسه مشروطٌ ببيئة الاستقرار والأمن. ودعا إلى التمييز بين ثلاثة محاور في الحقل الثقافي. الأول يتعلّق بالقوالب الثقافية للبناء الاجتماعي ونعني بها مرتكزات هذا البناء من حيث القيم الموجّهة والأفكار المؤطّرة، فهي من جهة محدّدات لرؤية العالم الناظمة للسلوك الأهلي الجماعي وهي من جهة أخرى التعبير المنظور والحي عن الهياكل المجتمعية القائمة». وتحدّث عن المحور الثاني الذي «يتعلّق بالصناعات الثقافية ذاتها أي الثقافة لا من حيث هي مضامين فحسب، وإنما أدوات ووسائل انتاج ومنتج مستهلك، من منطلق الثورة الاتصالية الهائلة التي غيّرت نوعياً شروط المادة الثقافية ورهاناتها وحولت المعرفة إلى صلب الاقتصاد الجديد وقاعدة التقنيات الجديدة».

أما المحور الثالث، وفق السيد ولد أباه «فيتعلّق بالعامل الديني ذاته الذي هو أساس ومرتكز الحقل الثقافي»، منبّهاً إلى أننا نشهد ظاهرتين خطِرتين متلازمتين في الساحة العربية راهناً، وهما: انحسار التقليد الإسلامي في بنياته المذهبية والعقدية والمؤسسية من جهة وتشتّت المرجعيات الدينية داخل النسق الإسلامي العام من جهة أخرى، بما يتجلّى بوضوح في أنماط التديّن الجديدة الشديدة الاختلاف والتمايز. ورأى أنّ «هذه الظاهرة هي التي تفسر كيف تحول الإسلام لدى بعضهم إلى مشكل عالمي وكيف استخدم الغطاء الإسلامي لنسف الاستقرار الاجتماعي في العديد من البلدان العربية باشعال الحرب الأهلية فيها واستهداف المكونات الدينية غير المسلمة التي هي ركن أصيل من أركان مجتمعاتنا العربية. ومن هنا صعوبة الدور الذي لا بدّ من أن تقوم به الثقافة الدينية في تكريس الاستقرار والسكينة في بلداننا الغربية بما يعني في آن واحد العمل على إنقاذ البناء المؤسّسي الديني في دولنا من خلال آليات فعّالة في التنظيم ودفع باب الإصلاح الديني والتحديث والتجديد في ثقافتنا الدينية».

ورأى الدكتور والفنّان طلال معلّا في كلمة بعنوان «فرسان الفوضى يعيدون صوغ النظام الجمالي»، أنه «كما كان لمختلف المدارس والاتجاهات الإبداعية فرسانها، فإن للفوضى الإبداعية فرسانها أيضاً، وهم الذين يعيدون صوغ النظام الجمالي بمهاراتهم الفكرية، والذي يحتاج في حقيقة الأمر إلى السيطرة التامة على القدرات التي تسمح بالوصول إلى ما وراء الفوضى التي يمكن توصيفها كخليط من الانبعاثات الإبداعية النقية واللانهائية التي تتدفق كما تتدفق الحياة». وأضاف: «يمكن التأكيد إذاً أنّ حال من الفوضى تعم عالم الفن اليوم، وإن كان يمتلك إمكان تجاوزها على المدى الطويل إن أردنا أن نكون متفائلين. إلا أن الأمر يتجاوز الرغبات إلى واقع مرتبط بمتضررين ومستفيدين».

وخلص المعلا إلى أنّ «الصفعات التي تشتمل على حرارة التغيير هي التي تجعل التفوق هدفاً أساسياً في الانقلاب على المفاهيم، وإعادة بناء الرموز التي تتجاوز الإمكانات الطبيعية لنسيج المكان والزمان والجاذبية والمادة لإعادة صوغ نبض الإبداع من جديد».


المصدر: الحياة