يعتقد المعنيون بتاريخ الاغتراب أن أول مغترب لبناني هو طانيوس البشعلاني من صليما المتن، وهو الذي سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية سنة 1854...؟؟
فإذا كان ابن صليما أول رائد انطلق من هذه الشواطئ لارتياد الأقطار البعيدة، فأين هي مرتبة أبناء صيدون وصور الذين اجتازوا البحر الأحمر وداروا حول القارة الإفريقية وتوغلوا في بلدانها البكر، وعادوا بطريق عمودي لافت أصبح اليوم مضيق جبل طارق في الألف الثاني قبل الميلاد؟ وماذا نقول عن حنون القرطاجي الذي خرج من مدينة اليسار قرطاجة وتوصل إلى الكونغو ووضع دراسته التاريخية التي أدهشت العالم؟ وما هي مرتبة هملكون الذي اكتشف مجاهل الشمال الأوروبي فألهمت بطولته شعراء اللاتين ملاحم خالدة...؟
وما هي مرتبة بناة قادش وترشيش في إسبانيا ومؤسسي المدن في صقلية وإيطاليا، وكوستاريكا وسردينيا وجزر الكناري في القرن الثاني عشر قبل الميلاد؟
وما هي مرتبة الذين حفروا أبجديتهم الفينيقية على كل صخور أميركا الجنوبية قبل كولومبس بأكثر من خمسة عشر قرناً؟
لم يكن إذن ابن صليما مغتربنا الأول، بل كان أحد الذين ساروا على خط جدودنا العظماء. فالمغامرة جينة في دمائنا منذ كنا: أكنعانيين أسمونا أم فينيقيين أم لبنانيين أم سوريين أم عرباً...! وكنا قد تعلمنا في مدارسنا أن اللبنانيين هاجروا هرباً من الفقر، هرباً من ظلم العثمانيين وسعياً وراء الرغيف، ألم تُعانِ شعوب كثيرة فقراً وحرماناً لكنها لم تُهاجر؟ أما ظلم العثمانيون شعباً غير شعبنا؟ فلم كنا وحدنا نغادر بلادنا إلى أقاصي الأرض.
إذا كان غيرنا قد نزح، واستوطن بلاداً غير بلاده فإننا نحن قد اغتربنا وحلمنا الوطن في قلوبنا، حملناه في عقولنا وفي الروح والوجدان وزرعناه تحت كل سماء لنبقى فيه كما هو باقٍ فينا!
وأمنيتنا الكبرى أن يعود كل لبناني إلى وطنه ناجحاً ذلك أننا لم نتخلّ عنه لحظة واحدة، ولا راودنا ظنّ بأنه تخلى عنا. ولم تتراخ علاقتنا الجدية به، ولا شعرنا أننا من أرض غير أرضه. وهذا ما اعتبره الإغريق إثماً فسمّوه: الإثم الكنعاني.
وربما كان تحويل هذا الإثم القديم إلى فضيلة حديثة لذلك نعود بما حققنا من مكاسب مادية ومعنوية بما جنينا من تجارب وخبرات إلى أرض الوطن الذي ما زادنا ابتعادنا عنه إلا تقرباً لهذه الأرض وعزماً على إنعاشها وإخصابها، وتصميماً على رفع مستوى الحياة فيها بكل ما ملكت أيدينا وما أوتينا من قوة مادية ومعنوية!
هذه هي نظرتي الشاملة إلى حركة الارتياد التي ما برحنا نقوم بها ونغذّيها منذ فجر التاريخ ومن هذه النظرة السليمة مفهوم ما اصطلح على تسميته: الاغتراب والمغتربون.
هذا الاغتراب في يقيني وخبرتي الطويلة في عالمه طيلة خمسين سنة تدعوني للقول بدون مبالغة إن إمكانات الحركة الصهيونية العالمية ليست أكثر بكثير من إمكانات الحركة الصهيونية العالمية ليست أكثر بكثير من إمكانات الرواد اللبنانيين المنتشرين في بقاع الأرض. غير أن إمكانات الصهاينة حزمة مجتمعة وإمكاناتنا متفرقة منفرطة. هم يعملون جماعة منظمة ونحن نعمل فرادى مع أن أساس وحدتهم عرقي بغيض، وعنصرية مقيتة وتعصب مذهبي ذميم أما أساس وحدتنا، عند حصولها، ويقيني أنها ستحصل، فهو تراث حضاري عريق وقيم إنسانية سامية ويقين قومي وطيد.
أليس غريباً أن يكونوا أقوياء بمثالبهم وضلالهم وفساد مآربهم، وأن نكون نحن ضعفاء بفضائلنا وإرثنا الحضاري المتفوق وإمكاناتنا العالية؟
إن هذه المقارنة تجعلنا نفكّر بأن الإمكانات وحدها لا تكفي بل عليها أن تكون فاعلة، منتجة متطورة صعداً على أرض الوطن تدعمها تنظيمات عصرية متقدمة وتشريعات ضرورية لحماية المصالح الكبرى الناجمة عن شعور عميق واستعداد أصيل لمواجهة كل المخاطر والتحديات الناجمة عن وجود عدو مجاور هدفه الوحيد مع حلفائه الأغبياء والمجرمين القضاء علينا والاستيلاء على أرضنا ومياهنا وتعطيل دورنا في منطقتنا وفي العالم.
الشعب اللبناني لو أدرك بمجمله ما هو عليه من تفوق وتطور وما له من تاريخ عريق لما كان عدو نفسه إلى هذا الحد. إذا نظرنا إلى أحواله اليوم لوجدنا أن كل قواه في الوطن والمغتربات مبعثرة مشتتة تتآكلها أمراض الطائفية والانقسام السياسي والمطامع المادية والجشع البغيض والاقتتال الداخلي على المكاسب والمراتب العالية. في هذه الدولة، المنتج السيئ، تكاد تصبح دويلات خصوصاً أن أهل الحكم الآن هم مجموعة من الانتهازيين الذين باعوا أنفسهم إلى الأجنبي فيحار الإنسان اليوم كيف يتعامل معهم ويوقف هذا الانهيار المتواصل على كل الأصعدة الاقتصادية منها والأخلاقية والوحدة الوطنية.
فالخيانة للوطن والاستسلام للأجنبي باديان علناً ولا يحتاج المرء إلى برهان ليتأكد من ذلك فأفعالهم وحدها تدل على ذلك: وإذا كان الوضع كذلك فما هو دور المغتربين والنازحين من جديد إلى أقطار الدنيا؟
إننا بفضل هذه الحالة المزرية نخسر كل أجيالنا الصاعدة، فالمتخرجون من أبنائنا يرحّلون إلى أصقاع العالم حتى أن الصورة الحقيقية التي نحن عليها اليوم هي أننا نخسر أجيالنا الصاعدة التي كلفتنا العرق ودماء القلب، ولا يبقى عندنا إلا الشيوخ والأطفال وهم بحاجة ماسة إلى العناية والاهتمام أيضاً، وقد أصبح المجتمع اللبناني عاجزاً عن المواجهة ومستسلماً للمخطط الرهيب الذي يهدف إلى تفريغ الوطن من طاقاته المبدعة والحيّة ما العمل إذن:
هنا يأتي دور المغتربين المنتشرين في كل زوايا الكون والذين أصابوا نجاحاً أدهش العالم كي لا يكتشفوا فقط بما يرسلونه من أموال إلى أهلهم وذويهم، وهذا شأن جيد ولولاه لما كان للبنان رمق وحياة، بل عليهم تنظيم طاقاتهم والتخلص من الأمراض المعدية التي يحملونها من وطنهم وأخطرها الطائفية البغيضة التي تفتك بنسيج تكوينهم فيصبحون دون أن يدروا ضحية هذا المرض "الطائفي" الذي يفتك بهم ويوكل دورهم ويجعلهم ضعفاء أمام المؤامرات التي تهدف إلى تفكيك هذه المنطقة وجعلها مشاعاً تغير عليه قوى الشر من صهيونية وأميركية وأوروبية على السواء.
كيف الخلاص إذن؟
إذا تعمّقنا في حقيقة شعبنا، في حقيقة تاريخنا ومعتقداتنا، في حقيقة مصالحنا نجد أننا شعب واحد ذو معتقد واحد وصاحب مصالح واحدة. وقد يظن البعض في هذا القول مبالغة، ولكن الحقيقة أن الأديان وحدتنا في عبادة الله فلا إله إلا الله للجميع. وأبونا الذي في السموات للجميع، فقد وحدتنا الأديان فلماذا بإسم الأديان نتفرق؟ فالطوائف التي حوّلوها إلى سجون وعوازل واقتتال مذهبي بغيض فما هي بالحقيقة إلا حالة تطعن الدين بدلاً من أن تكون حياة الإنسان في الله كل حسب طريقته. فليس القديس مارون إلا أسلوباً من أساليب العبادة والتقرب من الرب. ليس هو إلا المخزون المسيحي المشرقي المتسامح المحب المنفتح على كل الدروب الموصلة إلى الله.
إن المارونية ليست برجاً عاجياً وليست امتيازات سياسية، إنها انبثاق تقدّمي من أصول آرامية سريانية تعددت جذورها وغذت حضارة هذه المنطقة الواحدة لتشع في العالم، والتي تمتد من بحر المياه إلى الصحراء إنها أنطاكية مشرقية فهي الأصل وروما الفرع إنها السريانية الأصيلة التي غذت الإسلام أجيالاً وكان علماؤها إلى جانب العلماء المسلمين رافعة الحضارة والفكر والثقافة وأعمدة الحكمة التي بني عليها الخليفة المأمون داره الشهيرة "بيت الحكمة". فلا يحاولن أحد احتكار التراث الديني المشرقي ولا يحاول أحد حرف هذا التراث عن نشأته ومساره وسيرورته باتجاه سياسي منغلق كما تفعل معظم المراجع الدينية في هذه الأيام، كما لا يحاول أحد حذفه. وإذا نظرنا بعمق إلى رسالتنا الإسلامية وإلى موقع الإمام علي عليه السلام فيها، فإننا لا ننظر إلى هذه المواقع من باب التقوقع المذهبي الضيق بل من باب الدفق الحضاري الراقي لأمتنا.
فعلي إمام المؤمنين وليس من المسيحيين الموارنة. من علي امتدادات كبيرة هي أمثولة الوفاء والتضحية، أمثولة الحكمة والمعرفة، أمثولة التقوى والمحبة، أمثولة الثورة على النظم وعلى الباغي إن بغى. وعلي لي كما لغيري كما للعالم أجمع أمثولة العبقرية المؤمنة بربها والتي سارت على خطى رسولها العظيم. فلا يحاول أحد أن يجعل الإمام علي إمامه وحده، فكما أن القديس مارون شفيعي كذلك الإمام علي إمامي فلا يجعلن بين الإمام علي وبين المؤمنين باباً يصد الناس عنه وعن خياراته ومعارفه وأخلاقه في نزعة انعزالية تجعل الإمام علي مجرد قائد سياسي ظرفي، بينما هو قائد ومصلح وثائر ومقوم حضارة وأبعد من قائد سياسي وديني صرف. وعلي أعظم شمولاً من الطوائف والمذاهب من حيث السلوك الشعائري ومن حيث طريقة العبادة من حيث أسلوب المعرفة، هو مبعث غنى حضاري كان لشعبنا الفضل الأهم في نشره على العالم.
فإذا المسيحية التي نشأت في فلسطين تنطلق إلى العالم رسالة المحبة والعبادة، رسالة الإيمان بالله الواحد الأحد، وإذا المارونية التي ترعرعت على ضفاف العاصي وامتدت طقوسها في شعاب لبنان هي رسالة مشرقية أمام تزوير الغرب للمسيحية، وإذا بالإسلام مع النبي ينطلق من عندنا أيضاً حاملاً راية الوحدة والمحبة والتسامح وحاملاً راية التحرير الذي حمله على مواجهة امبراطوريتين تتقاسمان العالم في ذلك الزمن: الأمبراطورية البيزنطية في الغرب والأمبراطورية الفارسية في الشرق. فالإرث الحضاري الديني هو إرث موحد وليس إرثاً مفرقاً وأن الرهان على هذا الفهم الموضوعي هو الذي سينقذ اللبنانيين في هذه الظروف العصيبة ويؤمن وحدتها الحقيقية. وعلينا مواجهة القوى الصهيونية القريبة والبعيدة لكي نتمكن من إنقاذ حضارتنا ووجودنا في هذا العالم، ذلك أن الأديان هي أداة توحيد وليست أداة تفريق. والطوائف في صلبها المعتقدي هي روافد غنى ثقافي وحضاري، فحرام علينا أن يصبح الدين سلاحاً للقتل والاقتتال وأن تصبح الطوائف سجوناً يعتقل فيها الطائفيون أبناءهم.
فإذا تمكنت هذه العصبية المريضة من المغتربين بالعودة فشلت وحدتهم وبددت قواهم فبدلاً من أن يكونوا هم خشبة خلاص للوطن المصاب بلوثة الاقتتال الطائفي البغيض يصبح الجشع الاغترابي بحاجة إلى من ينقذه.
وإزاء التجارب المرة من الانقسام الأهلي والسياسي في وطننا في هذه الأيام العصيبة ثبت بالدليل القطعي أن لا تنقذنا منها إلا وحدة الجسم الاغترابي الذي بدوره ينقل إلى الوطن نجاحه الباهر في العالم كله، فاللبنانيون الذين نجحوا في دنيا الاغتراب علماً وثقافة وفكراً وبنوا المؤسسات الاقتصادية الفاعلة هم مؤهلون أيضاً لحمل عبء هذا النجاح إلى الوطن، لا أن تصمهم لوثات الطائفيين فيه التي تكاد تغتال إمكانات الخلاص.