مقالات المؤسس منصور عازار
2006 عام التحدّيات
الكاتب الثالث
الأربعاء 1 آذار 2006

هذا عام مضى إنما يبقى معظمه مقيماً عندنا ، سيبقى العام 2005، أطول من أيامه ، وأكثر امتداداً في التاريخ لأنه لم ينته بعد، وما تم فيه من أحداث جسّام تطبع حقبة قادمة بكاملها : سيبقى العام 2005 مقيماً بيننا أعواماً طويلة ، حتى أننا نتوقع تغيرات خطيرة في الأعوام القادمة قد تبدل جغرافية هذه المنطقة وأنظمتها المتهاوية ؟ ... أحداث العراق هزت ضمير العالم والإجرام الحاصل في ربوعه يكاد يقضي على وحدته ويغير معالمه.. فالشعب العراقي خاضع الآن لتجربة تاريخية تمزق نسيجه الداخلي وتدمر حياته إذ إن الاحتلال الأميركي البريطاني يجثم على صدره ولا ندري ما إذا ما كانت بعض " المقاومات " المتنوعة على أرضه هي من صنع العقل الصهيوني المجرم فيكون فعل الاحتلال الأميركي يصاحبه ردات فعل مدروسة لاستكمال المخطط الإجرامي فيقع شعب العراق بين سندان الاحتلال ومطرقة هـذه " العصابات " التي لا ندري من أين تبدأ وإلى أين ستنتهي ؟ وهل من يمكنه أن يؤكد ما إذا كانت هذه الأسماء المتداولة هي لذر الرماد في عيون العالم أم إنها اختراع دبرته هذه " التركيبة " الخطيرة من " المافيات " العالمية التي تتخذ من الولايات الأميركية وحلفائها هذا الغطاء الخطير الذي يلبس لباس الدفاع عن العراق وشعبه بينما هو يدمر معالمه ويكمل أفعال الإجرام للمحتل الذي يستمد " شرعيته " من أقاويل وأكاذيب لا يصدقها إلا المغفلون البسطاء والمتفرجون البلهاء على ما يحدث على أرض الرافدين منبع الحضارات والشرائع ، وهم لا يدرون ما سيحل بهم في الأيام القادمة المظلمة .

 هذا في العراق المصارع في سبيل البقاء موحداً في وجه البربرية التي تجتاحه من أجل أن تقضي عليه . أما في الشام فالعصابات نفسها تلتف على عنقه لتشده إلى مخططها الإجرامي الرهيب ولكن عاصمة الأمويين تقاوم بقوة وعناد وتحفظ شرف الأمة بما عندها من حكمة وذكاء وصبر عزَّ نظيره في هذا العصر المضطرب

. وها إن نتائج الانتخابات في فلسطين فاجأت العالم والمعركة هناك اتخذت طابعاً جديداً واتجاهاً تاريخياً طبيعياً وتلتقي حماس مع تطلعات حزب الله في لبنان وباقي القوى القومية والوطنية الحية التي تجابه المخطط الرهيب الهادف إلى فصل لبنان عن واقعه الطبيعي ومصالحه الحيوية فيقع فريسة الأطماع الخارجية من أوروبية وأميركية وإسرائيلية، فلبنان الذي تدور هذه المعارك من أجل عزله يعرف تماما كيف يتمسك بحقيقته ويدرك أن له مليون لبناني منتشرين في محيطه وعالمه العربي ، وهم مصدر قوة مادية ومعنوية له ، إذ كيف يمكن لهذا اللبنان أن يتنازل عن دوره الطليعي ويُضحي بالموارد الهائلة التي تأتيه عبر العالم العربي من أجل اللحاق بالأوهام التي تلوح له بها وسائل الإعلام الأوروبي ـ الأميركي ـ الصهيوني والمتمثلة بهذه السفارات التي يذكرنا نشاطها المشبوه بالأيام الخوالي يوم كان القناصل المعتمدون لتلك الدول المجرمة يعملون من أجل تمزيق شعبنا وتحويله الى طوائف ومذاهب وإقطاعيات تتنازع النفوذ وتزرع الفتنة والحوادث الدامية الخطيرة المعروفة بين ظهرانيه.. والحقيقة أننا في لبنان، ما زلنا على الرغم من كل ما حدث في العالم الأوروبي والأميركي والشرقين المتوسط والبعيد نعيش مرحلة القرون الوسطى ، وإذا استمرت الحالة على ما هي عليه فلا عجب إذا تم تصغير لبنان فالذي يتكلم اليوم عن " تزوير الخرائط " يجب أن يكون حاضراً في الجغرافيا السياسية للعالم لا أن يكون غائباً قابعاً وراء جهله وأمامه إسرائيل تتقدم بمشاريع الاستيطان وتمارس بأسلوب همجي التوسع والعدوان.. من هنا يجب الاعتراف أن العالم اليوم يعيش أزمة العراق وفلسطين ولبنان والشام والأردن ، وأن العالم كله على فوهة بركان هائل سعيره آتٍ من الحقائق التي تكررت مراراً بنسخ معدّلة ، وبقسوة متصاعدة ، كانت ولم تزل مفروضة بحكم التاريخ والجغرافيا وبحكم التلاعب المصيري بأسس وجوده ولكي نوقظ الذاكرة ونستضيء بالحقائق نورد هذه السلسلة من الحروب التي أوصلتنا الى ما نحن عليه اليوم . فالعام 1948 ، وبعد معارك مديدة ومتفرقة امتدت من أوائل هذا القرن نشبت أول حرب عربية ـ إسرائيلية تخطت فيها "إسرائيل حدود التقسيم لقيام حدود إسرائيل الصغرى" التي لم تعترف هي بها . وعام 1956 ، وقع العدوان الثلاثي على مصر بعد تأميم قناة السويس ، اشتركت قوتان دوليتان مع قوة إقليمية في غزو سيناء ومدن القنال والشاطئ في مصر . وعام 1967 ، شنت إسرائيل عدواناً جديداً على ثلاثة جيوش عربية واحتلت الضفة الغربية وغزة والجولان وسيناء ، وأقامت من جديد حدود "إسرائيل الوسطى" التي لم نعترف بها حتى الآن،  لأن شهيتها أبعد من حدود الأردن . وعام 1973 ، نشبت حرب رابعة اشتركت فيها جحافل الجيوش وأسراب الطيران ، وقوات المدفعية فاشتعلت المنطقة بحرب عسكرية تجند خلفها نفط أذاق العرب ، مر الصقيع ، ومرارة النكسات الاقتصادية . وبعد أعوام قليلة ، قامت إسرائيل بجريمة العصر إذ اقتحمت ثاني عاصمة عربية بعد القدس ، ودكت بيروت بالقنابل وحاصرتها لمدة ثلاثة شهور ، ومنعت عنها الماء والكهرباء والعالم ساه عما فعلته ، ينتظر أن تقوم بتجريد فريستها من لحمها ، كي تهنئها على سلامة فعلها وهكذا كان ، وبعد أعوام ، اشتعل الخليج بحرب ، وقف العالم إزاءها مكتوف اليدين عن عمد لا عن عجز كي تظل المنطقة تحت وصاية الحروب التي تدفع الأمة ثمنها من ماضيها ، ومن حاضرها ، ومن مستقبلها . من هذه الحقائق الواضحة وغيرها من الأحداث والحروب التي مرت على هذه المنطقة علينا أن نفهم أن هذه المنطقة الغنية بنفطها وثرواتها وشعوبها وطاقاتها وإمكاناتها وقدراتها ليس مسموحاً لها ، أن تكون جزءاً من حضارتها وتاريخها الذي حكم عليه بالتاريخ والجغرافيا وقوانين الاجتماع الانساني أن تكون منطقة واحدة تعيش بسلام لتشع فكراً وثقافة وتساهم بفعل الحضارة وصنعها . أوليست سورية والعراق جزءين من أمة واحدة . هذا ممنوع ! وكل خطيئة ترتكب بحق هذا الممنوع تعاقب بقوة ، قبل ارتكابها وأفعال إسرائيل شاهدة على ذلك ، فهي العصا ، التي بوساطتها يتم إملاء العجز والخلاف والانفصال، وبها تتكرس الحروب الداخلية ويتم الضياع عن حقيقة وهوية هذه الأمة ؟
إن هذه المنطقة المسماة الشرق الأوسط زوراً بمواصفاتها الذاتية وبمعاييرها الجغرافية والتاريخية محكوم عليها أن تظل تحت هيمنة دائمة أكثر صلابة من حيث النتائج ، من الاستعمار المباشر ، بمعنى آخر إن دول هذه المنطقة محكوم عليها ، أن تكون جهودها مكرسةً في خدمة آلة عسكرية تضرب مرة كل عشر سنوات ومحكوم عليها أن تكرس الجهد الباقي من ثرواتها لإرضاء الغرب ومعه أميركا الإسرائيلية كونهم لا يقبلون عن جزية الطاعة بديلا . وكل من يخالف قانون الانتظام الدولي هذا يعتبر مارقاً ويهدد الأمن والسلام الدوليين ؟ وهذا ما ينطبق اليوم وبخاصة على الشام ولبنان وفلسطين والعراق والأردن . إن ما أوردناه ليس استنتاجات إنه وقائع ، والشهادات على حدوثها لا تحتاج الى مجلدات فالذاكرة وحدها تكفي، لأن هذه الأحداث محفورة فيها ولا يمحوها النسيان.. إذا كانت منطقة الشرق الأوسط كذلك فلا شك في أنها أخطر منطقة في العالم ؟ ودليلنا الآن هو أن الدول الأوروبية مع أميركا وإسرائيل تهدد يومياً وبكل وقاحة ما تقوم به ايران من تجارب نووية سلمية، ولا ترى ما تملك إسرائيل من ترسانات قنابل ذرية تهدد فيها العالم بأسره ؟ والويل لهذا العالم المعرّض للاشتعال ، إذا أفلتت لعبة الدول من بين يديه.. إن مصير هذا الشعب في العراق والشام والأردن ولبنان وفلسطين متوقف على وعي أبنائه للمؤامرات الخطيرة التي تُحاك حوله فلا يقع فريسة الأوهام ويتخلى عن الحقائق الاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطبيعية التي هي مصدر قوته وضمان لمصالحه ووحدته ومستقبل أبنائه ؟ فلا يضيع وراء الأكاذيب والخطط التي ترسمها له المصالح الأجنبية فيقع فريسة أضاليلها ومؤمراتها الهادفة إلى تمزيق وحدته والسيطرة الكاملة على كل موارده وخيراته ومصيره الأخير. إنها صورة مرعبة ولكن من النادر جداً أن يكون اليأس عندنا أقوى منا، فبيننا وبينه عداوة متأصلة فهو موت مبكر، أما نحن فإيماننا المسلح بالعقل والإرادة قادر على اجتراح معجزة البقاء ثم الانتصار الأكيد . نرحب بالعام 2006 ، ونُعاهده ونُعاهد أنفسنا بأننا سنساهم في صناعة التاريخ من جديد ، فشعبنا الذي يعود بالعمر إلى آلاف السنين وبالحضارة التاريخية إلى مئات الإنجازات لن يعصى عليه أن يدرب الزمان مرة أخرى ويطوعه لمشيئته ، ذلك أننا مدعوون لأن نثق بأنفسنا وبمستقبلنا.. لنوثق الزمان ونحقق معجزة الحرية ، وإنجاز الديمقراطية مع ذلك المستحيل الذي يسمونه الوحدة ، وحدة الحياة على أرض واحدة صورتها الواضحة هلال خصيب .




مجلة تحولات - العدد التاسع-آذار2006