قرأت باهتمام ما كتبه الدكتور شوكت أشتي في جريدة "السفير" عن مؤتمر الحزب السوري القومي الاجتماعي الآخير. ولجدية القراءة والتقييم سوف ألخص أهمها مع تعليقي السريع والمختصر، خاصة وأن الدكتور أشتي فضح القليل من المسكوت عنه في المؤتمر. وأنا أدعوه للعودة إلى سعادة ليكتشف المعلوم في عقيدته وريادته التي غيبت للأسف في المؤتمر. والمفارقة الكبرى أن الدكتور شوكت باحث محايد اهتم ودرس وكتب عن مؤتمر قومي، بينما الصمت هو الغالب عند أغلب القوميين الذين بدأوا كسر الصمت ولو بشكل خجول.
استوقفتني في مقالة أشتي القيّمة الأفكار التالية، والتي أنقلها حرفياً:
"إن ما يمكن استشرافه من أعمال مؤتمر الحزب السوري القومي الاجتماعي، أنه لم يولِ حيزاً "كافياً" لمناقشة الوضع القومي. خاصة وأن اللحظة التي تمر فيها "الأمة وكياناتها" على قدر كبير من الخطورة. (ما سمي وثيقة توحيد الهلال الخصيب المقترحة مسألة قد تتضمن بعضاً من التبسيط. فسوريا "الشام" تعصف بها انتفاضة شعبية عارمة، والعراق مهدد بالمزيد من التفتت، والأردن تزداد أزمته الكيانية تعقيداً، ولبنان على حافة الاحتراب الأهلي، وفلسطين لم تزل في أتون النار والتهميش....إضافة إلى أن "الأمم" المحيطة بالأمة السورية ليست بأحسن حال.
وبالتالي فإن تداعيات ما جرى ويجري فيها يطال مفاصل الاجتماع السياسي للأمة وبنيتها ويهددها. إلى جانب ذلك فإن "الإسلام السياسي" المتناقض، من حيث المبدأ، مع طروحات الحزب ومبادئه يتقدم في العديد من الكيانات داخل الأمة السورية وخارجها، ويقود الانتفاضات الشعبية. كما أن الفكرة القومية بحد ذاتها تخضع للنقاش، والأحزاب القومية كافة كما أفكارها غدت موضوعاً للمساءلة، والانتفاضات الشعبية تطالب بإسقاطها وتتنكر لها...في إطار هذا المناخ الذي تفرضه اللحظة التاريخية على الأمة ألا يستحق الوضع القومي من الحزب "القومي" وقفة أو لفتة أو نقاشاً...؟
لم تبين مجريات المؤتمر أن الحزب قدم تقويماً للمرحلة السابقة. ويبدو أن القيادة السابقة التي قدمت تقريراً عن أعمالها لم تقع في أي مطب أو ترتكب أي خطأ. حيث يلاحظ أن التقريرين من السلطتين التشريعية والتنفيذية لم يشيرا إلى أية هفوة أو إخفاقة، أو ارتباك لا في المواقف ولا في السياسات ولا في الخيارات ولا في التحالفات....سواء على الصعيد اللبناني أو في الكيانات الأخرى. والسلطة الحزبية عرضت بإسهاب ما أنجزته، لكنها لم تبين للمؤتمرين ولأبناء الأمة ما لم تنجزه.
إن فكرة النقد الذاتي غير مترسخة في حياة الحزب الداخلية، كما في الحياة الداخلية للعديد من الأحزاب اللبنانية.
انتخب المؤتمر أعضاء المجلس الأعلى استناداً إلى النظام الأكثري. وهو النظام المعتمد في الأحزاب السياسية في لبنان عادة. غير أن النظام الأكثري يثير على أقل تقدير مسألة الأقلية أو الرأي الآخر ومستوى حضوره في حياة الحزب الداخلية. وبالتالي مشاركته في توجيه الحزب وقيادته....
لقد اختار المؤتمرون أعضاء القيادة "الجديدة" من بين لائحتين متنافستين: الأولى مكتملة ومحسوبة على رئيس الحزب، وقد فاز جميع أعضائها، والأخرى غير مكتملة وحصلت على نسبة 40 في المئة من أصوات المقترعين وهو حجم وازن وله دلالاته السياسية والتنظيمية في حياة الحزب الداخلية.
إن التنافس بين لائحتين مسألة مهمة وتعبر بطريقة أو بأخرى عن التنوع داخل الحزب. كما تؤكد أن شريحة مهمة من الحزب لها وجهة نظر مختلفة ومتباينة عن السائد. إضافة إلى أن طبيعة اللائحتين تفتح آفاقاً للاستنتاج بأن "التسوية" التقليدية أو المساومة على توزيع الحصص في القيادة لم يحصل. وهذا بحد ذاته له مضامينه وتداعياته ومعانيه.
ولأنه لا يمكن النظر إلى العملية الانتخابية والفوز فيها على أنها عملية إجرائية بحته، ولأن اللائحتين لم ترضَ بـ "الحصصية" بل استشرافاً ورؤية. لذلك فإن حضور البرامج يصبح أمراً ضرورياً وجوهرياً بالاختيار بين المرشحين – اللائحتين. فهل كان التنافس يحمل مثل هذه التطلعات؟ وكيف؟
إن المتنافسين عبروا عن "اتجاهات" متعارضة، لكنها غير معلنة كبرامج واضحة. فإذا كانت "اتجاهات" لائحة السلطة الحزبية معروفة فإن المعارضة "خجولة" إعلامياً.
حضر المؤتمر مندوبون عن "فروع" الحزب في لبنان، سوريا،الأردن، العراق وفلسطين إضافة إلى فروع الحزب في المغتربات. غير أن البناء القومي كان قد تعرض قبيل انعقاد المؤتمر لهزة تنظيمية تمثلت في "حركة الانفصال" عن التنظيم الأم التي قام بها عصام المحايري في الشام، مستنداً إلى ما اعتبره تماشياً مع قانون الأحزاب الذي أقره النظام في سوريا. فإلى أي مدى واكب المؤتمر هذه المسألة الجوهرية؟ وما هو الموقف الذي اتخذه؟
يعتبر البعض أن المؤتمر ركز أولوياته على العملية الانتخابية، لدرجة تحول إلى يوم انتخابي طويل. إضافة إلى أن عرض التقارير أخذ وقتاً طويلاً (كلمة رئيس الحزب مثلاُ استغرقت 110 دقائق كما ورد في جريدة النهار 12/6/2012) الأمر الذي همش فسحة الحوار وقلصها. غير أن عدم مناقشة هذه المواضيع، رغم كل المبررات، يطرح فكرة المؤتمر بما هي عليه على بساط البحث من جهة، ويؤشر من جهة أخرى إلى اختلال كامن في بنية الحزب. فهل يمكن أن تكون هذه المواضيع مجالاً للنقاش بصراحة وشفافية؟"
انتهى هنا كلام الدكتور أشتي وباختصار أجيب على تساؤلاته المشروعة بالعودة إلى سعادة الذي ركز على ضرورة بناء المؤسسات وتفعيلها لتكون قادرة على العمل والانتاج والفعل في حركة الصراع من أجل تغيير وجه التاريخ. لو كانت المؤسسات عاملة وتقوم بدورها الذي أنشئت من أجله لما كان المؤتمر القومي اجتماعاً انتخابياً عابراً وشكلياً.
من أسباب الفراغ الفكري الذي أشار إليه أشتي هو تغييب الندوة الثقافية التي أسسها أنطون سعادة لتكون المكان الرحب للحوار والاجتهاد والتفكير، بالإضافة إلى قراءة تاريخ الأمة والحزب وتقييم محطاته وإجراء نقد ذاتي لتثمين إيجابيات الأفعال وتجاوز السلبيات والأخطاء واستخلاص العبر والدروس.
إن الأسباب العميقة للتقصير الذي أشار إليه أشتي تكمن في غياب المؤسسات الحزبية التي أنشاها سعادة لتخطط وتراقب وتحاسب لا سيما المجلس الأعلى. كما أن الغائب الأكبر هو المجلس القومي والقوميون أنفسهم الذين اعتبرهم سعادة مصدر السلطة وفيهم قوة إذا فعلت غيرت وجه التاريخ وموضعت الحزب في قلب الصراع الوجودي التي تخوضه الأمة في معركة المصير القومي.
عودة الروح إلى المؤتمر والحزب تبدأ بالعودة إلى سعادة الفكر والقدوة والأخلاق والعمل من أجل وحدة القوميين عبر آلية عملية ومشروع استنهاض يعيد الحزب إلى ساحة الصراع والفعل في المقاومة والنهضة معاً من أجل بناء نظام جديد يحقق المواطنة والعدالة ويحرر الأرض والانسان من الاحتلال والاستبداد.
من هنا نبدأ وإلا فإن الإصلاح متعثر في الحزب والمجتمع والدولة.
مجلة تحولات - العدد: 69 – آب – 2012