مقالات المؤسس منصور عازار
الحرب على سورية.. من بعدها الطوفان
منصور عازار
السبت 17 حزيران 2017

كل حرب تبحث عن ضحيتها أو عن ضحاياها وكل حرب تسجل في بدايتها عدداً قليلاً من الخسائر. ولكن حساب النهاية يختلف عن حساب البداية.


فما كان متوقعاً في البدء، يصبح مجهولاً، وما كان معلوماً يصبح غائباً. وما كان محسوباً يصبح خارج جدول الاحتمالات.


   حرب سورية أو حرب العالم على سورية، عناوين كثيرة لا تعدو أن تكون بدايتها كارثة وآخرها سلسلة من الكوارث إذا لم يتدارك العرب نيرانها قبل أن تندلع في كل مكان من العالم، وإذ لم يشعروا بأن هذه الحرب الملعونة ليست هي إلا النفق المظلم والدموي الذي ستدخله منطقة الشرق الاوسط، لتفرخ فيه، عند كل منعطف مظلم حرباً جديدة تجر إليها العالم، كل العالم، إلى آتون من نار يحرق الأخضر واليابس ويجعل الكرة الأرضية كلها لهيباً متفجراً قد ينهي الوجود البشري في هذا الكون الذي يتقدم بالعلوم الذرية والهيدروجينية والميكروبيليا نحو نهايته الحتمية. هذه الحرب - الكارثة التي صممتها الدول الجوارح، أولى ضحاياها شعب ولد التاريخ بين يديه مراراً وسجل فوق الأرض كثيراً من الحضارات، حتى بات جزءاً من نسيج الحياة على هذه الكرة الأرضية.


 هذه الحرب الملعونة، لا تقف عند حدود قطر أو إقليم أو كيان، بل هي تهز أعماق الكون وتخضه من جديد ليقع في دوامة الأخطار الكارثية التي تقود إلى نهايته، فالقاع الذي تخلفه هذه الحرب، لا قاع له، والسقوط لا يتوقف عند حدود هذا الزمان بل يتخطاه إلى اللا نهاية.


  هذه الحرب التي لم يبذل قبلها إلا القليل القليل من السعي نحو السلام لن تكون فقط مجموعة صفحات من السجل العسكري للحروب، حيث التفوق الجوي والتفوق التقني جعل من هذه المعركة تدريباً يومياً فظاً تجرّب فيه الأسلحة الفتاكة من اللحم الحي، بل ستكون مجلّدات واسعة الحدقات والكلمات، تتحدث عن طوفان من النار فوق آبار من النفط لا يحرق العرب فحسب بل يمتد لهيبه إلى الكرة الأرضية جمعاء!!!


 إنها الكارثة التي كان يمكن تفاديها، فلماذا أسرعوا جميعاً من عرب وإفرنج وأميركان الى تظهيرها بقوة.


  إننا نعرف معاني الحروب وقد عايشناها طوال تاريخنا، قد تبتدئ بشعار وتنتهي بنار تأكلها النيران الأخرى، ونعرف أيضاً أن الأرقام التي يمكن أن تسجل فيها الخسائر البشرية والاقتصادية والعمرانية والثقافية، لا يمكن أن تكون إلا ضئيلة مهما كبرت أمام حجم الكارثة التي ستحل بالعالم أجمع من جراء هذه المطامع للسيطرة على موارد الكون وشعوبه، إنه مرض عميق بدأ من لوثة الحقد الذي نبتت له أنياباً قاسية وكلها تعزف على لحن اقتسام موارد الكون بما فيه من ماء ونفط ومعادن وخيرات وبشر.


يظن العظماء في هذا الكون الذين تخلوا عن عظمتهم إلى (عظيم) واحد هو الولايات المتحدة الاميركية  بأنهم هم الكاسبون وبمعنى آخر إنهم يستطيعون ترتيب إوضاع الكون على لحن ألفته - إسرائيل  للتمكن من عزفه لأجل أن يرقص العالم على أنغامه.

 

  ولكن إلى أين ستقودهم هذه الحسابات؟     
 

ولكي نعود إلى وقائع التاريخ القريب في منطقتنا  أقول إنه بعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة الامبراطورية العثمانية وإلغاء سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط  ومناطق أخرى من العالم، رتب المنتصر آنذاك أوضاع منطقتنا على قاعدة سيكس - بيكو وخلفية وعد بلفور إلا أن هذه الترتيبات الدولية الناتجة عن ذاك النظام الدولي الجديد من ملاحم وجماجم الحرب العالمية الأولى، أدى إلى نشوء نزاعات وثورات دموية كثيرة ما لبست أن أطفئتها نيران الحرب العالمية الثانية وبعدها تكرث العالم الجديد الذي ساد أيام عصبة الأمم  لذلك تفجرت المنطقة بالحروب وباتت مراراً على قاب قوسين من وضع تجر فيه العالم إلى حرب ذرية آبان الاجتياح الثلاثي لمصر، بعد تأميم قناة السويس وبعدها في حرب تشرين عندما كادت إسرائيل تُهزم نتيجة الضربة الأولى التي وجهها جيشا سورية ومصر، ونتيجة لهذه الحسابات الدولية الخاطئة ونتيجة الموقف المتمادي من الغرب في دعم إسرائيل أصبحت المنطقة ترسانة عسكرية تتمتع بكل خصائص الانفجار الحربي.


   فخارج نطاق الدول العظمى، وبعض الدول في آسيا ليس هناك من منطقة تتجمع فيها القنابل الذرية التي تملكها إسرائيل والصواريخ والصواريخ المضادة، والأسلحة الكيماوية، والأسلحة البيولوجية، إضافة إلى لائحة طويلة لا تنتهي من أنواع الطائرات والقاذفات والمدرعات والمدافع تملكها جيوش مدربة يجلس عليها القواد دائماً على فوهة بركان.


  لقد ازدادت قضايا الكون تعقيداً فما كان يمكن حله سابقاً بحرب خاطفة يتطلب الآن حروباً متنقلة ثم حرباً عالمية قد تؤدي إلى تدمير الكون بكامله.


ومن يظن أنه ليس الضحية سيتبين له أن العالم كله ضحية ما يملك اليوم من مقدرة تدمير الذات. فالحرب ستحرق الجسور والأبواب ولن تبقي إلا على الرماد، وما يبنى على الرماد مثل الذي يبنى على الرمال لا بد أن يتحول إلى أنقاض.


       إن العالم كله في خطر وفلسفة (شمشوم الجبار)  تتردد أصداءها عبر التاريخ وإلى يومنا هذا...


عليّ وعلى أعدائي يا رب؟؟؟



مجلة تحولات - العدد 64 – كانون الأول - 2011