مقالات المؤسس منصور عازار
أنقذوا الجامعة من الانقسام
منصور عازار
الجمعة 16 حزيران 2017

في الوقت الذي يحاول فيه لبنان العبور من الانقسام إلى الوحدة، أصبحنا في "الجامعة الثقافية اللبنانية في العالم" منقسمين إلى جامعات إذ وقعنا في الخطيئة القاتلة نفسها وهي: الانحراف إلى حدود الإنجراف وراء رغبات ومصالح تذكرنا بوقائع الحروب اللبنانية السابقة. وما جرى من انقسامات لا نزال نعاني منها حتى يومنا هذا..


ولكن، وبعيداً عن الإجراءات "الانقاذية" لا بد من أن نطرح الأسئلة الأساسية:  لماذا؟ كيف؟ ومتى؟


لماذا الجامعة تعيش على الانقسام؟


وكيف يمكن الخروج من حالة إنعدام الوحدة؟

 
ومتى يطمئن الجسم الاغترابي إلى مؤسسته وقيادتها، كي يلتزم بعهده إزاءها، وكي ينتظم في ورشة مسيرتها الوحدوية، من أجل لبنان أولاً، ومن أجل المغتربين أولاً، أيضاً...؟

 

 لماذا؟
لأن أصحاب المشاريع التي يفصلونها على قياس طموحاتهم الشخصية، لم يتعلموا بعد، أن الفرد مهما عظمت قيمته، وعلا شأنه، ليس إلا إمكانية اجتماعية. فإذا انفصل عن روح الجماعة، وعن وعيها، وعن مطامعها ومطامحها الحقيقية، أضحى قزماً. فالجماعة المؤمنة، خير من فرد ينتهز نجاحاته في حقول المال أو الاقتصاد أو التجارة أو الثقافة، ليسوق لنفسه مركزاً قيادياً.

 

 لماذا؟


لأن أصحاب المشاريع الشخصية، التي تقلص فيها الإيمان بالآخرين وبالوطن، يركبون مجدداً موجة التوزيع الجغرافي وهي في العمق ركوب لموجة التوزع الطائفي.


إنهم يخجلون من أن يكونوا طائفيين، ولكنهم كذلك. ولهذا السبب يتحدثون، تارة عن الحالة الإفريقية، ومعناها الطائفي معروف، وتارة أخرى عن الحالة الأميركية، ومعناها الطائفي معروف أيضاً كما يتحدثون عن الحالة الأوروبية ومعروف توزعها الطائفي أيضاً، وأيضاً تماماً كما هي الحالة اللبنانية التي نعيشها اليوم يريدون الجامعة ظلاً لهم. يريدونها أقل منهم، أو مطيّة لطموح مرتهن طائفياً.


أما نحن فنريد الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم، على قياس عملاق اغترابي فاعل، ينشط لحمل رسالة لبنانية عربية أصيلة في العالم، كما ينشط لجعل الاغتراب جناحاً آخر للبنان.


فلبنان كان يشار إليه دائماً بجناحيه: المسلم والمسيحي.


أما نحن فنقول بلبنان ذي الجناحين المحلقين: المقيم والمغترب...


الذين يصرون على أن يكون لبنان لهم، سقطوا... والذين يصرون على أن تكون الجامعة لهم، أفراداً أم طوائف، فسيسقطون ايضاً.


إن الاختلاطات التي أحدثت هذه البلبلة في الأشهر الماضية، إنما تعود، إذن ألى بروز هاتين النزعتين وتلازمهما: النزعة الفردية والنزعة الطائفية، ومحاولة توظيف الثانية في خدمة الأولى.


نحن نقول، بأننا للجامعة: لأننا ننطلق من حالة  المواطنة ومن حالة الشعور بأننا مواطنين نتساوى في الحقوق والواجبات، ونود ونرغب في أن نتساوى في الخدمة والعطاء والعمل.


المنافسة مشروعة، ولكن، على أساس مشروع أو على قاعدة مشاريع... أما المنافسة المضمرة، المتكتمة، المتلطية خلف احتفالات الكلام، والمنافسة من أجل الوصول بأي وسيلة، فهي انتهازية مفضوحة.


كيف يمكن الخروج من هذه الحال الانقسامية؟


لقد خضنا معركة وحدة الجامعة، عندما كانت في خطر، ومنذ أعوام، ولم نفرط بها، على قاعدة برنامج وطني اغترابي، بعيد عن المطامح الشخصية، وإننا نجد أن صيغة الخروج من حالة الانقسام وعدم التفاهم، لا بد وأن تتحدد على قاعدة البرنامج والمشروع. والقيادة التي تنبثق من هذه القاعدة، لا خوف عليها من الشطط السياسي أو الشطط الطائفي، خصوصاً إذا كان مشروعها وطنياً غير طائفي، اجتماعياً غير فردي.


لبنان بحاجة إلينا، ونحن بحاجة إليه..


كنا ننعي دائماً لبنان الطائفي، فلماذا اليوم يلبس البعض اللباس الذي كنا ننعيه دائماً، ونحرم اقتناءه. فعلى الذين يؤمنون بالعمل الجماعي، والعمل الوطني، والعمل الاغترابي، أن يتقدموا بمشاريعهم.


بمناسبة انتخابات المجلس العالمي للجامعة الثقافية اللبنانية في العالم، لتكن وحدة الجامعة هي الجامع المشترك لهذه المشاريع... ولتكون كذلك، يجب أن يمثلها أشخاص غير طائفيين، غير مرتهنين إلا للأهداف التي يتلاقى عليها اللبنانيون، مهما كانت طوائفهم ومهما اختلفت مشاريعهم.


قلت مراراً أن الفشل نتيجة وليس سبباً وفشل الجامعة، إذا ما حصل، لا سمح الله، فإنه سيكون نتيجة السياسة الخرقاء التي يعتمدها البعض.


كنت إبان رحلاتي ومحاضراتي ولقاءاتي في دنيا الاغتراب أدعو إلى التبصر والتأمل بحالتنا، والعناية الدقيقة لمعالجة فعالة لواقعنا. وعلينا أن نقوم بذلك، بعيداً عن كل أنانية مريضة أو موروث من حالة الحروب التي عاشها الوطن. لذلك يجب أن نبدأ بتأسيس قاعدة الحوار الحر. فليس بغير الحرية تحل مشكلة الحرية، وليس بغير الديموقراطية تحل مشكلة الجامعة. على أن تكون هذه الديموقراطية مبنية على نقاش صريح وواضح، لا يحمل خلفيات ذاتية، أو طائفية، وذلك كي نتمكن من تشخيص العلل، ووصف العلاج الفعال، لإنهاض الجامعة من كبوتها، ومن جمود لم يعد له مبرر!!!


  ولعل السؤال الثالث الذي طرحناه في مقدمة هذا القول: متى يطمئن الجسم الاغترابي إلى مؤسسته وقيادته؟ يعتبر الجواب عنه، مفتاح النجاح في المستقبل القريب والبعيد.


إن الانقسامات يدفع ثمنها المغتربون، وإذا كانت الثقة اليوم مزعزعة من قبل قواعد المغتربين بمؤسسة الجامعة، فإنما يعود ذلك إلى بعض السياسات الخاطئة، وبعض الممارسات الفردية وبعض المنافسات الغير مشروعة، وبعض الطائفية الخفية في الكلام المنمق والسلوك الفاقع...


كل هذه الأخطاء جعلت الجسم الاغترابي في وادٍ و"قياداته" في وادٍ آخر...


إن عدم الوضوح، في الأهداف والوسائل، جعل السواعد التائقة للعمل، تبتعد عن ساحة الممارسة الاغترابية.


وأخيراً إن عدم إيمان القيادات، بأن القيادة مسؤولية وممارسة وتضحية، جعل المؤمنين بالجامعة يكفرون بها وبالأساليب التي كانت معتمدة.


إذا أردنا اليوم إعادة الثقة والعافية إلى الجسم الاغترابي، فما علينا إلا أن نضعه في آتون الجامعة ليقرر مصيره بنفسه... فعجلة الجامعة لا تسير بقرار، بل بالذين تآلفت قلوبهم وشدت عزائمهم، وشاركوا بقناعاتهم في صياغة قرارتهم.


وبكلام هادىء نقول:


الجامعة بحاجة إلى ثورة في المفاهيم،  وإلى وعي بالذات والآخر، وإلى إدراك بأن العمل مسؤولية وليس وجاهة. الجامعة بحاجة إلى أناس يتمتعون بقدر عالٍ من التجرد والعمل الوطني المبني على قاعدة الولاء للوطن وعلى قاعدة أن المغتربين وحدة لا حالات طائفية أو أميركية أو أوروبية.


الجامعة ليست بحاجة إلى شعارات، مثل تلك الشعارات المتسرعة المطروحة اليوم، والتي تطالب بتجديد الجامعة، عبر جيل الشباب، بل إن الجامعة، لا يمكن أن تنهض، إلا بجيل مؤمن بأن العمل الاغترابي، ليس مناسبة، وليس فولكلوراً، وليس تشريفاً وتكريماً، بل هو خدمة وإيمان كبير، وتجرد من كل مصلحة ذاتية، ومن أراد الجامعة مطية لطموحاته، فستلفظه الجامعة.


نحن اليوم على عتبة مرحلة مصيرية نحددها بما يلي:


إما أن تكون الجامعة بقياداتها. على صورة المستقبل الذي تستطيع أن ترسمه بكلية جهدها، وبكلية تضحياتها، أو تكون الجامعة على صورة ماضيها، ومعروف كيف رسمت "فعالها" وكيف قضت على طموحها عبر تضخيم الطموحات الشخصية والانقسامات الحادة.


الجامعة بحاجة إلى فريق عمل موحد النظرة والأهداف، وليس إلى فرقاء وطوائف وأفراد متنابذين متنافسين بكل الأساليب... الجامعة بحاجة إلى كل واحد منا، شرط أن يكون أهلاً للأمانة كي يتسلمها اليوم، ويسلمها بعد سنوات زاخرة بالانجازات.




مجلة تحولات- العدد 63 – تشرين الثاني - 2011