منذ تصاعد الدخان الأبيض من مقر البطريركية المارونية في بكركي وتم الإعلان عن انتخاب المطران بشاره الراعي لتوليه السّدة البطريركية، ظهر أسلوبه ونهجه في تسيير شؤون الطائفة المارونية. وكان شعار "شركة ومحبة" الذي رفعه منذ اللحظة الأولى قد حمله في وجدانه ودراساته وفي إسلوبه والنهج الذي سيسلكه مع الأحوال المتغيرة في لبنان ومحيطه وصولاً إلى العالم العربي وعالم الإغتراب في كل أصقاع الدنيا.
وقد تجلت نظرته إلى الأمور خلال جولاته ومقابلاته مع أهم مواقع القرار في العالم، بدءاً بالأم الحنون فرنسا وإنتهاء بكل الدول المهتمة في شؤون المنطقة وشجونها.
كما وإن زيارته الأخيرة إلى مناطق الجنوب والحفاوة التي استقبلته بها كل مكونات المتحدات هناك أكدت أن المواقف الفاصلة التي أعلنها أثبتت إنه الرّبان الحكيم الذي يقود السفينة إلى شاطىء الأمن والأمان.
إن الإدراك العالي الذي ظهر في كل مواقفه وخطبه ومواعظه أكدّ للرأي العام الوطني والعالمي أن سّيد الصرح البطريركي يواجه كل الأحداث الجارية بقلب كبير وعقل منفتح. ولا تثنيه عن قناعاته كل هذه العواصف الهوجاء التي تثير غباراً تبددها الرياح سريعاً ويبقى واقفاً كسنديانة في جبالنا جذورها في الأرض وغصونها نحو السماء لتسبح الله في عليائه وتمجده في صلواتها وتراتيلها المتواصلة.
أما الظروف الصعبة والأحداث الآتية إلينا من كل القوى الطامعة بأرضنا وخيراتنا ومواردنا تجعلنا نفكر جميعاً في كيفية مواجهتها ولن نتغلب عليها إلا بوحدتنا الداخلية والتخلي عن عصبياتنا الطائفية والمذهبية والعائلية. وندرك أن تلك المخاطر تصنعها تنظيمات ودول على رأسها اسرائيل. إذ تخطط جميعها لتقسيم المشرق العربي وتفتيته ليصبح سهل الخضوع لمطامعها في ما وهبتنا به الطبيعة من خيرات وموارد، هؤلاء الطامعين بنا سواءً أكانوا من أبناء وطننا أو من الزاحفين إلينا وكل هذه الدول المتحكمة بخيرات الكرة الأرضية يعتبرون أن الكون ملكٌ لهم وسكان الأرض في ما عداهم يجب أن يخضعوا لإدارتهم المستبدة والطامعة.
إن شعبنا الذي يترك تقرير مصيره لغيره وللأحداث الجارية سيجد نفسه يوماً، ليس ببعيد، خاضعاً للإرادات الأجنبية أو موزعاً في أقطار العالم فاقد الجنسية والحقوق.
فإلى متى يمكن الصمت وإلى متى نترك هذه الأمور الخطيرة للأحداث الجارية وأين قوة الإيمان بهذا الشعب وتاريخيه وحضارته.
إننا متروكون لعصابات تتحكم بمصيرنا وتلهو عن حاضرنا المؤلم لكل ما يعود إِلى مصالحهم الشخصية، الفساد يعم حياتنا اليومية وعصابات النهب تتوزع على مرافقنا ولم يعد عندهم أي رادع، فالأمور سائرة بنا الى التمزق والخراب وأصحاب القرار لاهون عن كل شيءٍ سوى تأمين مصالحهم وتحقيق منافعهم.
من هنا نجد أن واجبنا يحتم علينا التصدي لهذه الأحوال المتردية ومواجهة المخاطر التي بدأت تفتك بنا وتعرض مستقبلنا ومستقبل الوطن للتفتت والضياع.
من هنا، من هذا الواقع المؤلم والخطير نجد أنفسنا في حالة ثورة عارمة ونجد في مواقف غبطته ودعوته إلى الوحدة والإتحاد بين أبناء الوطن الواحد ما يعيد إلينا بعض الأمل والرجاء، علينا ألا نسمح لهذا الأمل أن تبدده العصبيات الهوجاء من أي جهة أتت وليصمت أهل السياسة والخداع والفساد فقد آن الأوان لإستعمال لغة العقل والصراحة الجارحة لعل أن يكون للميت إيلام.
مجلة تحولات - العدد 62 – تشرين الأول - 2011