المغتربون اللبنانيون موجودون في ساحل العاج منذ ما يزيد على مائة عام، وقد زادت أعدادهم تباعاً إلى أن وصلت إلى ما يقارب الـ100 ألف وأكثر، وكانوا حتى يومنا هذا بنشاطهم العمراني والصناعي والتجاري المساهمون الأوائل في بناء الحياة الاقتصادية لتلك البلاد التي كانت تقع تحت سيطرة الاستعمار الفرنسي. وبعد الحرب العالمية الأخيرة نال ساحل العاج استقلاله وازدهر ازدهاراً رائعاً ومتواصلاً مما جذب إليه الكثير من الاستثمارات الصناعية. وكان ولم يزل للمغتربين اللبنانيين النصيب الأوفر في هذا الحقل. إذ أن المنطقة الصناعية في أبيدجان يقع نصفها وأكثر في عداد ممتلكاتهم وكانوا من الأوائل الذين اقتحموا هذا الميدان وانتقلت هذه المدينة بفضلهم من عصر الزراعة إلى عصر الصناعة الحديثة.
المغتربون اللبنانيون كطير الكنار يغردون ويحملون أجمل ما في هذا الطير من لون وريش. لكنهم وبكل أسف أصابهم الخرس والطرش فلا يدركون حقيقة من هم وما هي قوتهم، فهم إذا توحدوا ونظموا صفوفهم وانتقلوا من الأشغال العائلية المحدودة إلى المؤسسات الكبرى، إذ أن عصر الأفراد قد انتهى. وأصبحنا في عصر الجماعات المنظمة المتعاونة في مواجهة تطورات العصر.
احتل اللبنانيون في أفريقيا الغربية منذ بدايات وصولهم إلى مركز الوسيط التجاري بين الشركات الأوروبية العملاقة التي دخلت تلك البلدان مع المستعمرين من بريطانيين وفرنسيين وألمان وبرتغاليين وبين أهل البلاد الأصليين ونجحوا في أداء هذا الدور لكرمهم الطبيعي ومرونتهم في التعامل وانفتاحهم على أهلها الأصليين وتعلم لغاتهم والاختلاط الدائم معهم ومساعدتهم في حاجاتهم الضرورية وخصوصاً في المناسبات العامة. مع مرور الأعوام وتكاثر أبناء لبنان في هذه المغتربات وزيادة خبراتهم تطورت أحوالهم وجاءت عهود التحرر من الاستعمار الأوروبي فكانوا السباقين في تطوير أعمالهم إلى الصناعة والزراعة والتصدير والاستيراد وأصبحوا المنافسين الأقوياء للمصالح الأوروبية والعالمية.
أما معاناة اللبنانيين في بلاد الاغتراب الإفريقي وفي وطنهم والعالم فأسبابه عدة، أهمها: ضعف وإهمال حكوماتنا المتعاقبة في حمايتهم والدفاع عن مصالحهم. كما وأنهم يستهدفون من كل الطامعين في خيرات إفريقيا الغربية ومواردها. وكون اللبناني المغترب هو الأقدر في أداء دوره الاقتصادي وحسن تعامله مع أهل تلك البلدان. فهو يستقطب بالمنافسة الشريفة وغير الشريفة عداوات الجاليات الأخرى. وما تمثل من مصالح لدولها الطامعة في خيرات تلك البلدان.
من المؤسف جداً أن الدولة اللبنانية شبه غائبة عن أحوال اللبنانيين في إفريقيا الغربية، كما هي غائبة عن أحوال اللبنانيين في الوطن أيضاً. فنحن نعرف كم يعاني اللبناني من تصرفات هؤلاء الحكام. لقد آن أوان التغيير ومواجهة الحقائق الصارخة في تدهور أوضاعنا لأن الطائفية والفساد يعميان عيون هذه السلطات المتعاقبة عن الحقائق الصارخة.
المغترب اللبناني متعلق بوطنه ويحن دائماً إلى أرض أجداده وقد تألم كثيراً لأحوال بلاده وما وصلت إليه، لذلك لا يناله اليأس إذا واجهته الصعاب في البلدان الإفريقية فيعود إليها كونه أسس هناك مصالح حيوية وسمعة طيبة. ولكن على الرغم من ذلك ومن ارتياحه إلى ما وصل إليه من راحة ورفاهية في المهجر يبقى الحنين إلى الوطن رائده فهو منقسم بين الهجرة والعودة لأن شعبنا منذ بداية التاريخ يحمل أينما ارتحل في حقيبة سفره وطنه وهاجس العودة إليه الذي لا يغيب عن ذاكرته وسلوكه مهما حصل.
ورغم كل ما هو قائم في أحوال مغتربينا إلى إفريقيا الغربية، فهم من أكبر المساهمين في إنعاش الاقتصاد اللبناني فالأموال التي تصل إلى لبنان من إفريقيا الغربية لا تقل عن 5 ملايين دولار شهرياً. وهذا رقم متواضع ومتحفظ جداً كون المغترب اللبناني إلى إفريقيا يعمل بإخلاص وجهد للبلد الذي يقيم فيه. أما المغترب إلى الأميركيتين وكند واوستراليا وأوروبا يأتي إلى لبنان سائحاً وإجمالاً لبيع ما ورث من آبائه وأجداده ويعود بها إلى وطنه الجديد فلا نفع من هؤلاء من الناحية الاقتصادية في لبنان، إنما يمكن الاستفادة من مواقعهم العلمية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية والتي حققوها في بلدانهم الاغترابية، كما يمكن اعتبارهم من أهم السائحين الذين نستقبلهم كل عام إذا سمحت لهم أحوال لبنان المقبلة.
وختاماً هل الأحلام التي قطع اللبنانيون أشواطاً من أجلها ابتلعها ساحل العاج. وهم الذين حملوا أحلامهم وآمالهم في حقيبة سفر آملين العودة بها لتأمين حياة كريمة لهم ولذويهم في بلد ضاعت فيه كل الأمنيات ولم يبق للحلم فيه مكان؟
المصدر: مجلة تحولات - العدد59-حزيران-2011