المارونية انبثاق تقدمي من أصول آرامية سريانية وثيقة الاتصال بالنهج البولسي نسبة إلى بولس الرسول، ذلك النهج الرامي إلى تحرير المسيحية من رواسب اليهودية التي علقت في تقاليد بعض المسيحيين المتوارثة.
ومنذ نشوئها ذلك، في خارج لبنان، حتى امتدادها إلى هذه الجبال، وما إليها من سواحل وسهول، لم تكن "طائفة دينية" وحسب، بل كانت حركة متطورة.
كانت مصدر تراث حضاري، وينبوع فكر معطاء في حقول الفلسفة والأدب والفن والعمران ومختلف القيم الإنسانية.
لم تكن في تاريخها قط جماعة اعتزال، بل كانت تياراً يرفض الفتوح الغريبة، ويناضل على أسس حرية فكرية واضحة ما اتسمت يوماً بالغموض، ولا بالانكماش ولا بالخوف.
وإلى جانب نهجها الفكري والروحي هذا، كانت نواة خير وعمران، فصروحها الشامخة على الروابي والمنتشرة على المنحدرات والسفوح لم تكن أدياراً بقدر ما كانت خلايا نشاط، ومدارس، وحصون وأقطاب تجمع حولها الموارنة، وبنوا في ظلها القرى، وراحوا يجعلون من الصخور حقولاً، وكروماً وبساتين تفيض بالبركات وتزخر بالمواسم.
إنها أغنت هذه الجبال، وملأت سكانها ثقة بالنفس، كما أغنت سواها، وكانت مثالاً في الصمود، وتقديس العمل، ومتابعة النضال، ما جعلها أكبر بكثير من أن تنحصر في رابطة أو جمعية، ومن أن تتقوقع في وظيفة أو مجموعة وظائف، ومن أن تدور على محور محدود من الشخصيات السياسية والدينية.
إنها تخطت تخوم الجنسيات فأصبحت حركة عالمية. إنها عطاء كالحرف، كالشراع، كالفكر المعبر عن الحق والعدالة، كالجمال قولاً وكتابة نقشاً ونحتاً وتصويراً.
إذا كانت أكثرية الموارنة من اللبنانيين، فليست المارونية لبنانية، ولا شيئاً آخر غير لبناني، لأنها بتراثها الحضاري، كونية كمختلف الحركات البناءة في العالم.
وإذا كانت للموارنة امتيازات معينة في "الدولة اللبنانية" فهذا لا يعني أن هذه الدولة هي نطاق المارونية، وقالبها الوحيد، وقوقعتها العازلة.
كثيرون من الموارنة يعتبرون مارونيتهم بلا حدود ولا قيود.
والوطن اللبناني نفسه ـ وهو مركزها الأفضل ـ يجب أن يكون منطلقاً لنشاطها الإنساني، لا برجاً عاجياً تنحصر فيه إلى ما شاء الله.
لم تكن المارونية أنطاكية فحسب يوم انطلقت من ضفاف العاصي إلى هذه الجبال، ولا هي اليوم لبنانية وحسب بعد استقرارها الطويل في لبنان.
فمجرد "انطلاق" عطائها يجعله عالمياً ومحرراً من كل مفهوم إقليمي.
هذه هي المارونية التي نؤمن بها.
أما "المارونيات" الأخرى التي جعلها بعضهم منصّة إلى المناصب، أو معراج تصعيد إلى الوجاهة، أو وسيلة سهلة لمكاسب... فليست منا، ولسنا منها.
المارونية ليست طائفة بقدر ما هي نهج حضاري، وتيار فكري، وخط إنساني، يتجاوز الطقوس، والاعتبارات السياسية والإقليمية.
إن للمارونية معنى أوسع بكثير، وأعمق بكثير من المعنى الطائفي الضيق الذي يحاول حصرها فيه بعض السياسيين والدارسين والمعلقين.
إن لها وجهاً إنسانياً، ومفهوماً حضارياً يتجاوزان تخوم الجنسيات، وحدود الكيانات السياسية، لأنها أثبتت، منذ نشوئها، عبر مراحل استمرارها، إنها حركة حياة متطورة، تحمل في تطورها المتصاعد "مبلغاً مرموقاً" من التراث، ورصيداً محترماً من القيم.
مسيحيتنا تيار حافل بكنوز الفكر، والمعرفة، والشعور النبيل، والتنشئة المثالية، سار بالعقيدة في بقعة أنطاكية، والرها، والقدس، ووادي العاصي، وأودية لبنان وشوامخه، ثم أطلقها، وانطلق معها إلى رحاب العالم.
هكذا نرى مارونيتنا كمسيحيتنا.
هكذا نحسها في قرارات النفوس وفي أعماق الوجدان.
هكذا هي تفاعل حضاري عالمي، شامل، يجمع ولا يفرق، يحب ولا يحقد، وأولى ميزاته: العطاء.
إن عظمة أنطاكيتنا المارونية وقيمة رسالتها في أنها سبقت ولم تسبق، أعطت ولم تأخذ. فيها تمركز الإيمان ثم انطلق تياراً حضارياً محيياً إلى الغرب.
فللمسيحية، في أرضنا، كما للمارونية، جذور عميقة، أصيلة، من واجبنا أن نأخذها بعين الاعتبار، بل أن نرفع حسناتها واضحة، متجلية، وخصوصاً لأنها أفرخت، وأثمرت، ولا تزال تثمر على أرفع المستويات الفكرية والحضارية. كما أنها ملتزمة التزاماً كلياً بالمنطقة التي نشأت فيها، وهذا الالتزام كان مدار صراع عبر الأجيال في وجه سائر الذين حاولوا تسخير أو تزوير هذه الشخصية الحضارية.
ولئن أفسحت سلطة البابا الروحية في المجال لتدخل أوروبا، زمن ضعفنا وانحطاطنا، هادفة إلى إلغاء هذه الشخصية الحضارية الأصيلة، فإن ردود فعل كثيرة بدرت من الموارنة، في مختلف المراحل، هدفها التصدي لتيار "الليتنة" ولكل منحى يرمي إلى إزالة هذه الشخصية الروحية والخلقية المتصلة بجذور حضارتنا.
من هنا فالمارونية جزء لا يتجزأ من السريانية، وليست المارونية هي الأصل والسريانية هي الفرع، بل بالعكس: السريانية هي الأصل، والمارونية هي الفرع، هي الظاهرة، وأعني ظاهرة حياة، وليس مضمون حياة.. ذلك أن المضمون الحياتي للمارونية، هو مضمون حضاري، يتصل بكل حضارة المنطقة المشرقية(...).
من جائز القول، إذاً، إن الذين حاولوا أن يجعلوا من المارونية شأناً دخيلاً على بلادنا، أو مصطنعاً، أو مغرّباً؛ إنما يسيئون إليها فحسب... ولا يخفى أن أجيالاً عدة أساءت إلى هذا المفهوم العميق، مفهوم الاستمرارية الحضارية.
وفي العودة إلى الأصول، نقول: إن "بكركي" تساوي، في أصولنا الحقيقية، "روما" بكل ما في هذا المفهوم من معنى وعمق.. من هنا تصب التنازلات على المستوى الديني والفكري إلى "روما" وغيرها.. فلا ضيْر في القول: "إن الفلسفات الدينية، برمتها، وُجدت في منطقتنا مع رموزها.. فحريٌ بهؤلاء الغربيين أن يأخذوا العلم منا لا العكس.
وينبغي القول كجيل مسؤول: أن كلّ مَن يريد إخراج المارونية من منطقة نشأتها وامتدادها الطبيعي، إنما هو يعمل ضد التاريخ وضد الحقيقة.. وكل مَن يريد أن يجعل من المارونية في المنطقة سياسة انعزال وضعف واستسلام، إنما يضرّ بطبيعة نشأتها؛ ذلك أن المارونية نشأت طائفة صراع مع الأرض، ومع الطبيعة، ومع السماء.. إذا جاز القول: لقد قاتلت الأرض فاستنبتت فيها العمران والحضارة؛ وقارعت السماء بأفكار لاهوتييها إثباتاً لعقيدة التجسّد، وبتضحيات أبرارها انتزاعاً للاعتراف بحق قداستهم.
هكذا يظهر بوضوح، أن المارونية شأن حضاري إنساني. لا شأن سياسي كياني.. ولا ينبغي أن يغيب عن الذهن أنها ذات جذور وأصول يصعب التخلي عنها، مع الحرص على امتدادات تلك الجذور وهاتيك الأصول.
مجلة تحولات- العدد58-نيسان-2011