دخل لبنان مرحلة جديدة مع ولادة حكومة نجيب ميقاتي، وهي تحمل معها آثار المراحل السابقة على تنوعها واختلاف ظروفها، ولم نزل نواجه عللنا وأمراضنا الموروثة منذ عصر الانتداب وما قبله إبان الحكم العثماني الجائر.
تغيرت الأسماء والوجوه تبدلت ولكن المرض العضال المتأصل فينا لم يزل يتوارث من جيل إلى جيل فالطائفية تحولت إلى مذاهب والمذاهب إلى أحياء وزواريب، والعائلية لم تزل تتحكم بسلوكنا وتصرفاتنا فمنها ما استمر بالوراثة ومنها ما ولدته متغيرات الأحوال الاقتصادية والتجارية، فأصبح المال هو عنصر القوة المضافة في ميزان الصراع على السلطة. وها نحن اليوم أمام مشهد لم يغير شيئاً في وسائل الصراع على هذه السلطة إنما تبدلت الأسماء وتغيرت الوجوه ولم تزل الخيوط الممتدة ليلاً من الخارج تحرك اللعبة واللاعبين فينام الواحد منهم على الأحلام الجميلة الزاهية ويستفيق مسكوناً بالكوابيس السوداء وقد أطاحت بكل ما تمناه ووعد نفسه به؟
وإن توالد المراحل التغييرية وهي تحمل معها العلل نفسها لا يفيد الشعب المعذب الذي يئن تحت وطأة الأحوال الصعبة، فهو محروم من العيش والاستشفاء والعمل وحلمه الوحيد أن يتمكن من الهجرة والسفر إلى أي بلد يستقبله مهما كلفه هذا الانتقال من مشقة وعذاب وفراق للوطن والأهل والأحباب. إن ما يحتاجه لبنان ليبقى، هو الانتقال إلى عهد جديد لا إلى مراحل تتكرر تحمل معها أمراض الماضي والعلل المتأصلة: والعهد الجديد المطلوب هو التغيير الحقيقي لهذا التكوين الطائفي الموروث الذي مزق النسيج الاجتماعي وجعل من هذا الكيان مرتعاً للخلافات والاقتتال الداخلي ومجالاً واسعاً لأهل المطامع من دول وطوائف وعصابات وشركات تجد كل واحدة منها مجالاً واسعاً لتحقيق أهدافها وأغراضها ومطامعها. لقد حان لهذا الشعب في لبنان أن يدرك حقيقة وجوده أن يعي مصالحه الحقيقية وأن يتجه نحو عهد جديد يؤمن له الاستقرار والتقدم. لذلك نجد أن المطلب الجوهري والأساسي هو أن يحدد هويته وانتماءه وأن يعرف من هو عدوه ويسن القوانين المطلوبة لحمايته وتأمين وحدته الحقيقية،فهذا اللبنان إذا استمر على ما هو عليه يفنى نتيجة علله وأمراضه وإذا أدرك حقيقته اتجه نحو الإصلاح الحقيقي وهو أولاً القضاء على الطائفية هذا السرطان الذي يعشعش في كيانه ولا يتم ذلك إلا بفضل الدين عن الدولة، وإلغاء الحواجز بين الطوائف والمذاهب ومنع رجال الدين من التدخل في السياسة والقضاء! وذلك بإقرار الزواج المدني الإلزامي وثانياً تنظيم الاقتصاد على أساس الإنتاج صناعة وغلالاً وفكراً وتوزيع الإنتاج توزيعاً عادلاً بين المنتجين. إن هذه المبادئ الإصلاحية التي وصفها أنطون سعاده منذ ثمانين عاماً وطلب من الشعب أن يحققها من أجل خلاصه وسعادته، عمل اللبنانيون من أهل السياسة والمنافع الشخصية والمصالح الأجنبية ضدها وحاربوه وقتلوه لأنه أراد لهم الحياة والتقدم والارتقاء، وها هو لبنان اليوم غارق في أوحال أهل السياسة فينتقلون به من مرحلة سيئة إلى مرحلة أسوأ وهو يكاد أن يفنى ويزول!!
فهل جاء الوقت الآن لتكون هذه مرحلته الأخيرة يخرج منها للدخول في عهد جديد، عهد الإخاء القومي الحقيقي، الذي يؤمن لهذا الشعب وحدته الروحية والمادية ويتجه نحو تحقيق مصلحته العليا في الحياة والوجود، والتي هي الاتجاه نحو الداخل المشرقي، هذا الداخل الذي يكون مداه الحيوي ويفتح له المجالات الواسعة لطموحه وتحقيق الرفاهية والسعادة في الحياة له وللأجيال القادمة فلا يضيع في مجاهل الدنيا ويخسرها لبنان كما خسر الملايين الضائعة من قبل!!
إننا نطالب رئيس الحكومة الحالية (نجيب ميقاتي) أن تكون هذه المرحلة الأخيرة في حياة وتاريخ لبنان وننتقل معاً إلى عهد جديد يكون فيه لبنان معافى من أمراضه الطائفية وعلله السياسية ورموزه البائدة. ويصبح ضمن نطاق الفكر الحر "فإذا كان في لبنان نور فمن حق هذا النور أن ينتشر في الهلال الخصيب وفي المشرق العربي كله" بهذه الإصلاحات. وهذا الاتجاه الواضح يمكننا أن نواجه العدو الرابض على حدودنا والمتربص للانقضاض على جنوبنا الصامد واحتلال أرضنا كلها والسيطرة الكاملة على مواردنا وخيراتنا! فما من عدو يقاتلنا في وطننا وديننا إلا اليهود وقد بنوا على أرضنا دولة لا حدود لأطماعها تساندها قوى من العالم الذي يعتبر نفسه متمدناً، وقد قدم للتاريخ نماذج عن تمدنه في العراق وباكستان وأفغانستان والسودان ومصر وتونس وغيرها من بلدان العالم!! إلا أن قلة من أبناء شعبنا في جنوب لبنان تمكنت من تلقينه درساً تاريخياً. وكان ولم يزل أقوى سلاح لديها هو الإيمان بحقها في وطنها وأن الدماء التي تجري في عروقها ليست ملكها بل هي ملك الأمة ومتى طلبتها وجدتها، وقد طلبتها فلبت وهي على استعداد دائم للتلبية والعطاء والعالم كله يشهد بذلك!
لقد حان لهذا الشعب في لبنان أن يدرك حقيقة وجوده وأن يعي مصالحه الحقيقية وأن يتجه نحو عهد جديد.
مجلة تحولات -العدد57- آذار- 2011