ندخل العام 2011 حاملين معنا هموم الأعوام المنصرمة لنواجه وشعبنا الغد القادم في معركة فاصلة هي معركة المصير بين أن نكون أحرار من أمة حرة أو مهزومين أمام العدوّ المتربص بنا وهو يطوّر وسائل الإجرام لتصبح عنده "عناقيد الغضب" أشد فتكاً وطائرات تهديم العمران أكثر فاعلية في تعميم الخراب ليصبح استمرار الحياة أمراً معدوم الإمكانيات:
هذه هي وباختصار شديد الحال التي نواجهها في مطلع هذا العام.
فما هو موقفنا نحن من هذا المشهد الخطير؟ وماذا أعددنا للمواجهة؟
الجواب يأتي من الحال المزرية التي أوصلتنا إليها خلافاتنا الداخلية، فنحن شعب قد ضلّ طريقه وتاه وراء الأوهام ففقد الحسّ الوطني وتفرق بين طوائفه التي فاقت العدد المعلن رسمياً فأصبح لكل طائفة مذاهبها ولكل مذهب ألوانه وشعاراته وبيارقه من أزرق إلى أصفر إلى برتقالي إلى أبيض إلى ما لا يمكن حصره وضاعت الأرزة، إذ فقدت اخضرارها ورونقها الأصيل وتشلعت أغصانها فتحولت إلى حطب يابس لا حياة ولا روح فيه إذ أصبح مصيره مادة للوقود، وفي أحسن الأحوال أنواعاً من "العصي" للاقتتال العبثي والهوبرة الفارغة!
العالم من حولنا يعرف حقيقة الصراع القائم من أجل السيطرة على موارد الكرة الأرضية وهو يملك الكثير منها، وهي قبلة المتصارعين فالنفط والغاز والمياه وغيرها من الموارد الطبيعية هي الهدف المباشر لهذا القتال الدائر بين الشركات العالمية العملاقة، والتي تدعمها الدول المتحالفة والمتصارعة والمتقاسمة في آن معاً وفق مصالحها واستهدافاتها وحاجاتها والضرورات التي تؤمن لها البقاء في صراع الوجود من أجل الاستمرار.
أين نحن من هذه الصورة وقد بانت تفاصيلها لكل واعٍ في العالم!
هل ندرك أن إسرائيل إنما تقاتل وتحارب وتتجسس وتجند العملاء وتشعل الفتن لتجعل من هؤلاء جميعاً وقوداً لصراعها المصيري معنا؟
هل ندرك أن الأميركان وهم مطيّة سلسة طيعة للوبي الصهيوني يحركها كما يريد وبما يتفق مع مصالحه وخططه وأهدافه؟ وما هدف إسرائيل سوى السيطرة الكاملة على منطقتنا برمتها واستعبادنا من أجل الحصول على ثرواتنا الدفينة والهيمنة المطلقة على وجودنا ومصيرنا؟
أمام هذه الحقائق الواضحة ترانا في لبنان نتصرّف وكأننا في غيبوبة. بدأت روائح الغاز والنفط عندنا تملأ أنوف العالم، فنحن عائمون على بحر من هذه المواد التي هي مورد الحياة للإنسان المتحضّر وأهل السياسة عندنا يتقاتلون في الزواريب وعلى رأسها "زاروب الحرامية" ويريدون ترسيم حدود "كيانهم" الهزيل وكان "الجزيرة" التي اسمها لبنان والتي حولوها إلى مقهى وفندق ومطعم وإلى غربية وشرقية ومعاملتين، هي خارج مناطق التاريخ والجغرافيا، وأن الدين الذي أصبح طوائف فارغة من المعاني والقيم والأهداف، قد مات في نفوسهم فأقوالهم ومواعظهم من على منابرهم ما هي إلا أضاليل تنثر السموم وتزيد في التفرقة وتؤجج الاقتتال بين الأخ وأخيه والجار وجاره ضمن العائلة أو القرية الواحدة.
إنه شهر مؤلم حقاً أن نرى العالم من حولنا متنبّه لما يجري حوله ويتحضّر للتصدي له ونحن لاهون في معرفة جنس الملائكة.
فالأتراك والسوريون رغم ماضي التاريخ المؤلم تراهم يدركون ويعملون من أجل وحدة شعوبهم ومصالحهم العليا في الحياة كذلك هم الإيرانيون وأهلنا في فلسطين يقاتلون عدواً شرساً خالياً من الإنسانية، والمنطقة كلها من إيران إلى البحر المتوسط تغلي غلياناً خطيراً ونحن في لبنان نسلم مصيرنا إلى طغمة من "أرزال" السياسية همهم الأوحد استغلال مراكزهم لزيادة ثرواتهم وممتلكاتهم.
وما يؤلم حقاً أن نرى أهل الفكر من مثقفين ورجال اختصاص ورجال أعمال وأصحاب المصارف والمؤسسات الصناعية والتجارية والسياحية يتصرفون وكأن الدنيا بألف خير وهمهم الأوحد زيادة أرباحهم ومكاسبهم فالدنيا عندهم بألف خير وهم لا يدركون أن مصيرهم في مهب الريح إذا لم يغيروا ما في نفوسهم، فالصراع المصيري في هذا العصر يتطلب تغييراً جذرياً في الفكر والسلوك والتوجه نحو مصلحة الوطن التي يجب أن تكون فوق مصلحة الأفراد مهما علا شأنهم وتراكمت ثرواتهم؟
وهنا نقف أمام الحال التي وصلت إليها الأحزاب والشخصيات القومية والوطنية لنجد أنها غارقة في هذا المناخ العام المنهار والعدو الإسرائيلي يفتك في نسيج حياتنا، ولولا الموقف المشرّف لـ"حزب الله" وحلفائه ومجابهتهم لأعداء أمتنا لكانت إسرائيل اليوم مع حلفائها في داخل بيروت، وهذا ما كان يريده ويخطط له ولم يزل فريق ساقط من أبناء شعبنا.
إنها صورة قاتمة لا ينقذنا منها إلا وعي الشعب لما يخطط له، وإعادة النظر في الأسباب التي أدت بنا إلى هذه الحال المزرية ووجوب تداركها قبل فوات الأوان، وإلا سنسقط جميعاً ضحايا هذه المؤامرة ولن يكون لنا بعد ذلك أي عام جديد.
مجلة تحولات - العدد56-كانون الثاني - 2011