صدر للكاتب فداء أبي حيدر كتاب بعنوان "دولة إسرائيل" وقد أعده لنيل شهادة الماجيستير
يتكلم فيه عن تاريخ إسرائيل نشأة وسيطرة. وهنا قراءة خاصة للكتاب أعدها الأستاذ منصور عازار.
بين دفتي هذا الكتاب دراسة معمقة تاريخية واجتماعية وثقافية لنشوء اليهودية كديانة تجمع يهود العالم وتتابع انتشارهم وتنظيمهم وتعمل بكل الوسائل المتوفرة لديها للحفاظ على نقاوتهم وتقوية سيطرتهم على وسائل الكسب والإنتاج وصولاً إلى هدف محدد هو السيطرة الكاملة على موارد الكون. انطلاقاً من تأسيس الدولة المركزية التي تجمعهم، وتنظم قوتهم وتحقق الوعد الذي أعطاهم إياه "يهوا" من أنهم الجنس البشري المتفوق للسيطرة على الكرة الأرضية، فهم في أساس تكوينهم ومراحل تاريخهم مسكونون بهذا الهدف، فماذا تحقق منه؟ وكيف كانت مسيرتهم التاريخية؟ وأين هم الآن من تحقيق الأغراض التي وعدهم بها "يهوا" وأنبياء اليهود من بعده وما هو بالنتيجة مصيرهم النهائي؟.
من أجل تبيان الحقائق التاريخية وإثبات الوقائع وتطورات الأحداث اعتمد المؤلف على تقسيم هذه الدراسة المعمقة في منهجيتها وتقنياتها إلى ثلاثة فصول، ولكل فصل منهما دوره ومهمته وتحديد الهدف الذي عينه المؤلف للوصول إلى نقل الحقائق للقارئ والدارس لكي يتسلحا بالمعرفة الحقيقية لنشوء دولة إسرائيل، وتبيان المخاطر الناجمة عن هذا المشروع الهادف لسيطرة هذه الظاهرة الخطيرة، ظاهرة وجود وتطوير وتنظيم الجنس اليهودي ليصبح سيد الكون بلا منازع.
ولقد اعتمد المنهج العلمي للبحث وأكده بالمراجع العلمية والتاريخية، واجتهد كثيراً لإسناد كل مسألة طرحها إلى عالم أو مؤلف أو دارس تنكب هذا الموضوع، لأن ظاهرة تحقيق وإنشاء الدولة الإسرائيلية هو من أخطر وأدق المشاريع التي أنجزت عبر تاريخ الإنسانية جمعاء.
ففي الفصل الأول جرى التعريف النظري للدولة وشرعيتها، وكذلك التعريف بالمنظمات العالمية التي أخذت على عاتقها إدعاء تحقيق السلم العالمي الشامل للوصول إلى لمحة تاريخية من إسرائيل بالاستناد إلى مذكرات حاييم وايزمن أول رئيس لدولة إسرائيل، وهو الذي عرف العالم على جهد الحركة الصهيونية المتمثلة باللوبي الصهيوني الذي تمكن من استصدار الكثير من القرارات لصالح إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين خصوصاً وعد بلفور الشهير الذي نص قراره وايزمن شخصياً.
كما ارتكز المؤلف إلى المؤرخ فيليب حتي الذي كان ولم يزل من أفضل المراجع التي أضاءت على تاريخ سورية ومن أصدق من كتب عن مساهمة السوريين في بناء الحضارة الإنسانية ولم يضاهيه ويتقدم عليه في هذا المضمار سوى المعلم والهادي والمرشد لنا وللناس الزعيم أنطون سعاده.
أما الفصل الثاني من هذا الكتاب سيتناول أهم ما جرى في منطقتنا بعد قيام إسرائيل التي اعتمدت الأساليب الدموية والنزاعات الطائفية لتثبت وجودها اللاشرعي القائم على التوسع من البحر إلى النهر وبعده إلى التلال الخصبة كاملة.
وينهي المؤلف هذا الكتاب القيم المليء بالمعلومات والحقائق الثابتة بالفصل الثالث الذي يترصد الوقائع وذلك للإجابة على الفرضيات المطروحة مشيراً أن غياب المشروع العربي الموحد والواضح في مواجهة الصهيونية كان سبباً رئيسياً في متابعة كل فصائل الصراع العربي الإسرائيلي لمعرفة المبادرين إلى هذه المواجهة والذين كانت أدوارهم تتبدل في كل مرحلة مستجدة
كان هذا الغياب واقعاً ترافقت معه مواصفات عديدة كان أغلبها عاطفياً بالتنظير والفوضى الفكرية البعيدة عن حقائق ما تضمره وتخطط له هذه الحركة الصهيونية الهادفة للسيطرة الكاملة على أرضنا وتهجير شعبنا بشتى الوسائل، وأهمها قتله وتهديم العمران عنده وتحريك الغرائز الطائفية الآيلة إلى الامتثال الداخلي الذي يمكنه من تكوين حالة خضوع كاملة لإرادته.
غير أن ما تنبه له نجيب عازوري في العام 1905 كان رؤيا واضحة لمصير هذا الصراع الذي قال عنه:
Du resultat final de cette lutte entre deux peuples representant deux principes contraire dependera le sort du monde entire.
"إن النتيجة الأخيرة لهذا الصراع بين شعبين يمثلان مبدأين متناقضين يتوقف عليه مصير العالم كله".
أتوقف هنا لألفت انتباه الحاضرين من أن قراءة هذا الكتاب واجب ضروري ليعرف كل منا بصورة علمية وأكاديمية الحقائق التي تشكل الخطورة المصيرية على أمتنا وشعبنا وشعوب العالم قاطبة.
ولأنتقل من وحي هذا الكتاب القيم إلى مولود الأول من آذار الذي كان عمره سنة واحدة عندما أعلن نجيب عازوري هذه الرؤيا وكأنها نبوءة العصور الآتية عنيت به الزعيم أنطون خليل سعاده الذي نجتمع الليلة عنده وهو حاضر بيننا لم يزل ولن يزول!
لم تحرمنا أمتنا العظيمة التي آمنا بها سعاده أمة هادية ومعلمة للأمم من منقذ عبقري هو نابغة العصور قاطبة سعاده المعلم.
وقد تنبه باكراً جداً لما تعده الحركة الصهيونية من خطط خطيرة كما هو وارد في كتاب فداء أبو حيدر القيم. وقد بدأ منذ مطلع فتوته وشبابه يعد الخطة المعاكسة للمواجهة، وفي الأعوام الثلاثين الذي عاشها دارساً ومنتجاً بعد الخامسة عشرة من عمره وضع المعلم الأسس العلمية والعملية لهذه الحركة السورية القومية الاجتماعية التي كانت ولم تزل وستبقى الجواب الحقيقي لكل هذه الأهداف والمخاطر التي تحملها الحركة الصهيونية وتعمل على تنفيذها بكل الوسائل المتوفرة لها! وهي خطيرة جداً ولا مجال لتعدادها لأن هذا الحضور المميّز يدركها تماماً وهو ينابيع تطور الأحداث الحاصلة الآن في هذا العالم؟
يبقى علينا هذا الواجب الخطير الذي يقرر مصيرنا إذا احترمناه وعملنا بموجبه وهو العودة الكاملة لتعاليم سعاده وسيرته وقدوته من أجل تحقيق الأغراض العظيمة التي وضعها لنا، والعمل المتواصل بشتى الوسائل والتي يمكن توفيرها لإيصال تعاليمه إلى أبناء شعبنا والواضحة في مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه من أجل وضع حد فاصل بين الموت والحياة للأمة السورية التي ظنها العالم أنها أصبحت من عالم الأموات، فإذا هي بواسطة قدوته وتعاليمه أمة حيّة لا تموت لأن صرخته المدوية لم تزل أصداؤها في ضمير هذا الشعب ووجدانه أليس هو الهاتف فينا.
يا أبناء الحياة لمن الحياة؟ وكان الجواب ولم يزل مدوياً: الحياة لنا يا سعاده؟
غير أن المقيمين على الدعوة القومية الاجتماعية والذين انتظموا في صفوف هذا الحزب مرت بهم عوامل وظروف تاريخية أعاقت كثيراً تقدمهم وتحقيق الأهداف العظيمة التي رسمها لهم.
ولست هنا لتعداد الأسباب التي أوصلت هذا الحزب لما وصل إليه من تأخر. ذلك أن هذا الموضوع يلزمه الكثير من الدرس والبحث من أصحاب الاختصاص والمعرفة الذين لديهم المعلومات الكافية لولوج هذا الموضوع الخطير، لأنه يتطلب الكثير من المعلومات والمراجع لمعرفة الظروف والأحداث التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه الآن.
غير أني وبعد قراءة هذا الكتاب ومتابعة الأحداث وتطورها منذ استشهاد الزعيم ودرجة الخطورة التي وصلت إلى تحقيقها الدولة اليهودية وما هو حاصل الآن من دعم لها لتحقيق مرحلة جديدة متقدمة من خطتها للسيطرة الكاملة على وطننا، وتشريد شعبنا بعد قتل ما يمكن قتله ليس في فلسطين فحسب بل في كل الكيانات السورية والعالم العربي، وما وصل إليه اليهود من قوة ونفوذ في العالم من أجل تحقيق أهدافهم بكل الطرق المتوفرة لهم وهي كثيرة وهائلة، وبعد العودة إلى حالة شعبنا وتخلفه وتراجعه أمام ما خطط ويخطط له، وجدت نفسي أمام سؤال خطير، كيف لنا كقوميين اجتماعيين أن نخرج من الحالة التي وصلنا إليها من تفكك وضياع وفقدان الدور الأساسي الذي وجدنا لتحقيقه وأدائه؟
كيف يمكننا أن نعيد هذا الحزب العظيم إلى تفعيل دوره الأساسي في نشر وتحقيق مبادئه التي هي طريق الخلاص الأوحد للأمة السورية والعالم العربي والعالم كله؟.
أعود هنا إلى كلمة حضرة رئيس الحزب الدكتور علي حيدر في مؤتمر المغتربين الذي نظمه الحزب يومي السبت والأحد في 14 و15 آب 2010 والذي جاء فيه:
"إن حزبنا لا يتخلى عن إنجاز مهامه ولو تأخرت لسبب أو لآخر".
لاقترح مؤتمراً هاماً جداً وهو كناية عن ورشة عمل لدرس أسباب ونتائج ما آل إليه هذا الحزب ولإيجاد الحلول التي تخرجنا من الحالة التي نحن فيها، والعودة إلى موقعنا القوي والفاعل من أجل متابعة أداء دورنا التاريخي الذي دعانا إليه المعلم.
دعوتي هذه الليلة أن يتنادى المعنيون جميعاً وينتظموا في مؤتمر نوعي يكون عمله دراسة الأسباب والعوامل التي أدت بنا إلى ما نحن عليه الآن، ويكون هدفه الخروج بالحلول الآيلة إلى إعادة رص الصفوف الذي تأسس الحزب من أجله.
هذا الموقف التاريخي المطلوب منا الآن تلزمه الأطر العلمية والتحضير الجدي البعيد عن المناسبات العادية والانفعالات السلبية للوصول إلى تحديد الأسباب والعوامل التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه الآن.
هل هذا الموقف المطلوب هو من نسج الخيال أم أنه المعبر الذي يمكن أن يوصلنا من جديد إلى تحقيق ما أقدمنا جميعاً عليه عندما رفع كل منا يده وأدى قسم الانتماء لهذا الحزب العظيم الذي أسسه سعاده من أجل تغيير وجه التاريخ. فهل نحن فاعلون؟
مجلة تحولات - العدد 55-كانون الأول-2010