مقالات المؤسس منصور عازار
سعاده وصراع المفاهيم والاستشهاد
منصور عازار
الإثنين 5 حزيران 2017

كانت قناعتي ولم تزل أن سعادة وضع قواعد جديدة للصراع الفكري وأطلق مفاهيم جديدة لمواجهة الأمراض الساكنة في خلايا قناعاتنا وأخلاقنا وأمراضنا الاجتماعية والنفسية، وحدد بوضوح كيفية التصدي لها ومعالجتها، وكان بعيداً كل البعد عن التسويات وأنصاف الحلول، ولهذا تميزت عقيدته عن باقي المعتقدات الموروثة لأنه كان يريد بناء الإنسان الجديد على قواعد متينة لا تزعزعها مجريات الأحداث وكان يميز جداً بين العادات التي يتدبرها الإنسان في بلادنا وبين التقاليد الراسخة والقيم المتأصلة في تكوينه!!


فكانت المبادئ التي وضعها ودعا شعبه للاقتناع بها والصراع من أجلها مستمدة من حقيقة فهمه إن ما تراكم في وجدان الشعب من معتقدات قد باتت أغلبها لا تصلح لتطوره وتقدمه في صراع الوجود! فنادى شعبه للتحرر من كل ما يعيق نهضته لمواكبة المتغيرات الحاصلة في هذا الكون، لأن الصراع القائم هو صراع على المصالح العليا لكل شعب يريد أن يحافظ على وجوده وتقدمه في هذا العالم لأن حق التقدم هو حق الصراع، وأن الدفاع عن حياته واستمراره هو شرط المحافظة على وجوده وحماية مصالحه، وكل تساهل في هذا الحق يقضي على الشعب ويجعله تحت رحمة الدول الكواسر.

من هنا ومن هذا الإدراك العالي انطلق سعادة لوضع الأسس الجديدة لحياة شعب بكامله، ومن أجل تحقيق ذلك، اعتمد على خطة الهجوم المتواصل على كل الأمراض التي أعاقت وتعيق شعبه من مواكبة تطورات العصر فكانت المفاهيم الجديدة أساساً لعمله المتواصل كحركة هجومية لا يحيد عنها، وهو العارف جيداً بعواقبها ونتائجها وما يؤلمني حقاً أن السنين التي مرت منذ عودته إلى الوطن وإعادة حركة الصراع إلى حزبه قد أسيء فهمها. فهو لم يكن على استعداد لتغيير المنهج الذي وضعه في خطابه التأسيسي الذي وجهه إلى رفقائه في حزيران 1934 وكان الحزب لم يزل سرياً، وأوضح فيه المخطط الذي اعتمده تجاه كل الأمور التي كانت تشكل قناعاته الأساسية والتي لم يحد عنها إلى أن استشهد في سبيلها...


لم يكن سعاده يجهل النتائج التي تنتظره، فهو يواجه كل القوى الطامعة في السيطرة على وطنه وعالمه العربي بقوة الإيمان والعزم والإرادة والاستعداد للتضحية في كل ما يملك حتى حياته في سبيل ترسيخ المفاهيم التي عمل لها واستشهد من أجلها؟


وكم سمعت وأسمع من أن سعاده تورط في حركة ثوروية لم يكن مستعداً لها وحرك جميع الخصوم والأعداء من أجل موقف يتصل بأطباعه وتفرده وجهله لمجمل الخصومات التي أوجدها في مجرد إعلانه مبادئ حزبه الذي أسسه وكان عليه أن يساير ويعمل من ضمن الواقع القائم إلى أن يصل إلى هدفه دون الإكثار من الخصومات!


إن منطقاً كهذا لا ينطبق على رسالة سعاده فهو يحمل لأمة عقيدة يريد انتصارها في صميم الشعب مهما كانت التضحيات وترتكز هذه العقيدة على مفهوم جديد تجاه شعبه ومستقبله وتعاقب أجياله؟


لم يكن يحسب لما يمكن أن يحصل خلال هذه الخطة وهذه النظرة لأنه لم يكن بالحقيقة جاهلاً لما يمكن أن يصيبه من جراء هذا الموقف النهائي الذي أوصله إلى الاستشهاد؟
ماذا يعني لي استشهاد سعاده؟


لا شك عندي أن سعادة قد أدرك منذ اليوم الأول لإعلانه أنه أسس حزباً! ما ينتظره من صعاب وآلام ومواجهة لأنه هاجم مباشرة كل الأمراض التي تعيق تقدم الشعب، ووضع إصبعه على الجرح العميق الذي يسبب آلاماً وعذاباً لهذا الشعب الذي كانت قد تملكتها أفكاراً وعادات مزمنة أعاقت فهمه وتقدمه في صراع الوجود ومواجهة الطامعين به وبخيرات أرضه وموقعه الجغرافي الاستراتيجي المعروف عند أصحاب المشاريع الاستعمارية من الدول التي كانت تنتظر سقوط "الرجل المريض" الأمبراطورية العثمانية لترث المناطق الشاسعة التي كانت تتحكم بها خلال أربعمائة من السنين العجاف؟


وكانت إطلالة سعاده في العام 1920 وهو ابن السادسة عشرة من عمره في رسالة وجهها من مغتربه في البرازيل إلى شعبه حول زيارة "بلفور" إلى سورية أولى مبادراته الواضحة بمضمونها وجرأتها ليؤكد أن مصير السوريين هو بيدهم ولا يحق لأحد أن يحل محلهم في أن يتصرف بمصالحهم وتشويه حقيقتهم وإغراق الوعود لأعداء سورية بما يخصها وحدها وكانت هذه الرسالة وغيرها تعبر باكراً جداً عن الإدراك العالي والفهم الحقيقي لما يراد لهذا الشعب بعد رحيل المستعمر العثماني، وباكراً جداً برزت إرادة سعاده الواعية أن خلاص شعبه يلزمه حركة ونهضة تعبران حقيقة وتضع أسساً جديدة لحياته ومستقبله.


من هنا إن سعاده لم ينطلق من رغبات خاصة وطموحات شخصية، ولم يعلن نفسه زعيماً من أجل تحقيق أغراض خصوصية أو فردية، إنما كان همه الأوحد إنقاذ شعبه من حالة التخلف والانحطاط التي أوصلته إليها عهود الاستعمار العثماني ومطامع الدول الأجنبية لوراثة الأمبراطورية العثمانية آنذاك. من هنا يتأكد عندي أن كل ما فكر به ونظمه وكتبه وعمل من أجله كان يدور حول نهضة شعبه من خلال حركة فكرية تعيد إليه كرامته وحقوقه وتؤمن له السيادة على أرضه ومصير شعبه.

وباكراً جداً وهو في سن الخامسة والعشرين من عمره قرر العودة إلى الوطن وتأسيس حركة تعيد إلى الأمة السورية حقها في الحياة وضمان سيطرتها على نفسها ومصالحها في صراع الأمم.

إن حياة سعاده كانت قصيرة جداً فهو بقي في هذا العالم من العام 1904 إلى العام 1949 (سنة استشهاده). وبهذا يكون قد أمضى بيننا خمسة وأربعين عاماً كان منها ثلاثون عاماً من العمل والتفكير والإنتاج أي ما يقارب العشرة آلاف يوم! فماذا حقق هذا الإنسان العظيم في مدى عمره القصير؟؟


إن من ينكب على دراسة سعاده في فكره وإنتاجه وعمله يطرح على نفسه السؤال الخطير.


من أين جاء هذا الرجل بالوقت الكافي لإنجاز ما خلفه من كتابات ودراسات ومن حزب استبقاه سراً لثلاثة أعوام وبعد انكشاف أمره بدأت معركته مع كل القوى الداخلية والخارجية إلى أن استشهد وهو في ريعان عطائه فماذا أنجز سعاده في فترة العشرة آلاف يوم التي بقي فيها معنا.


سعاده في مسيرة إنتاجه وحياته


صادف أن قرأت مقالاً للكاتب شوكت أشتي عن سعاده ووصفه بـ"الزعيم المظلوم"، ولهذا المفكر رأيه واستنتاجه وهو حر بذلك إنما وجدت في تعابيره واستنتاجاته ما جعلني أفكر ملياً بهذه الظاهرة عند بعض رجال الفكر التي إن دلت على أمر فهي تدل على السطحية والتسرع وعدم المعرفة لحقيقة سعاده في حياته وإنتاجه والحركة الفريدة في التاريخ التي أطلقها من أجل نهضة شعبه ورسالة هذا الشعب للإنسانية جمعاء.


لم يكن سعاده يوماً يشعر بالظلم ولا يتوقف عند رأي السياسيين بما يعمل أو يوجه وكان يدرك تماماً ردود الفعل لما أعلنه من حركة ونهضة تتناول الشعب السوري الذي كان في حالة تراجع مخيف يتأرجح وجوده بين الموت والحياة، بين الخضوع لإرادة الأجنبي المستعمر وبين القيام بنهضة تعيد إليه دوره ورسالته في هذا العالم.


لقد اختار سعاده طريق النهوض لشعبه ووضع له المبادئ الواضحة والصريحة وزود خطته في العمل بما يلزم من قوة الإرادة والعزيمة الصادقة والمناقب العالية والمثل العليا وحدد طريقه ودعا شعبه لاتباعها إذ دعاه إلى اعتماد الحرية والواجب والنظام والقوة، قواعد ثابتة لهذه الحركة العظيمة الهادفة إلى تغيير مجرى التاريخ كما أعلن في خطابه.


إن هذا اليوم هو أعظم يوماً في حياتي رأيته حتى اليوم، إذ أني أعود لأنضم إلى هذه الجموع النامية التي أبت أن يكون قبر التاريخ محلاً لها في الحياة.


كما هذه المنطلقات لم تكن محاضرات ومناظرات ووعظ وتبشير، بل تحولت إلى مشروع يشمل الشعب السوري كله والعالم العربي والعالم! وإذ ميز عمله بين مصلحة سورية التي هي فوق كل مصلحة وبين أي مصلحة أخرى دون أن يؤكد حصر نهضته وفلسفته في ما هو مصلحة سورية وعالمها العربي بل قال قولته الفاصلة في تحديد رسالته وهي:


"لقد أمنتم بي معلماً وقائداً ومرشداً لكم وللناس وآمنت بكم أمة هادية ومعلمة للأمم".


وهل هناك أوضح وأصرح من هذا القول ومن يمكنه إذا تعمق بمضمون مقاصد المعلم أن يقول عنه إنه الزعيم المظلوم.


لا لم يكن سعاده زعيماً مظلوماً من أحد لا من أتباعه ولا من أعدائه بل كانت الزعامة عنده مسؤولية حددها هو في دستور حزبه وربطها بالصلاحيات الضرورية لحماية حركته ودعا شعبه عبر القسم الذي وضعه هو لنفسه إذ وقف نفسه لمصلحة سورية وشعبها وأدى هذا القسم أمام أمته والعالم والتاريخ ورهن وجوده لتحقيق الأهداف العليا التي رسمها لأمته وللعالم!


ولم يكن يشعر أبداً أن أحداً يمكن أن يظلمه أو يهزأ من عمله ومن إيمانه، ولم يقصد بدوره أن يظلم أحداً بل كان في عمله وسلوكه ومناقبيته، حرباً على المفاسد والضعف ولم يتمكن أحد من ظلمه سواء كان من مؤيديه أو خصومه ذلك لأنه وضمن كل الظروف التي مرّ بها وفياً لقسمه ولإيمانه العظيم بهذ الشعب أليس هو القائل "سواء فهمونا أم أساؤوا فهمنا فنحن نعمل للحياة ولا نتخلى عنها" وكان هتافه الدائم موجه إلى أبناء الحياة الذين اختاروا بملء إرادتهم وقناعاتهم اتخاذ عقيدته إيماناً لهم ولعائلاتهم ومحيطهم وأهلهم ورافقته هذه المعتقدات إذ مارسها كل حياته وأينما كان، كان الاحترام يلتقيه مع كل من سمع أو قرأ عنه.


وعندما جاءت ظروف الامتحان العسير والذي كان ينتظره دائماً كانت وقفته أمام الموت فريدة في تاريخ الإنسانية، إذ مشى هو نحو عامود الإعدام وتلقى الرصاص شاكراً مطلقيه ثلاثاً شكراً شكراً شكراً قبل أن يخترق صدره وجسده وهو لم يكن يهتم بهذا الجسد الفاني بل بما يعمل ويقدم لهذا الشعب حتى عطاء الدم.


لقد مر في تاريخ الإنسانية عظماء وأنبياء ورسل ومفكرون سمهم ما شئت إنما قلة قليلة جداً ونادرة تمكنت من مواجهة مصيرها بالعزم والإيمان والهدوء والصبر ورحابة الصدر التي واجه سعاده الموت بها فإذا كان شعبه أو حزبه أو العالم قد أساء فهمه فهذا كان آخر ما يفكر به وبالحقيقة لم يتوقف أبداً أمام أقوال العالم بل أدى رسالته وختمها بدمه ودخل التاريخ خالداً مخلداً شعبه وهو القائل:


أفهمونا أم أسأوا فهمنا فنحن نعمل للحياة ولن نتخلى عنها.


فالذين يقولون إن سعاده كان مظلوماً أساؤوا فهم الرجل، فهو منذ قراره أن يقف حياته في سبيل شعبه فهم جيداً ما ينتظره لأنه أدرك من اللحظة الأولى أن رسالته ستوصله إلى الاستشهاد لكنه مشى بالإيمان الذي تولد فيه والعقل الذي أدرك الكون من خلاله ولم يأبه للمخاطر وسيأتي يوم يستفيق إنسان بلادي ويعرف أن سعاده وضع أسس الخلاص ليس لأمته السورية ولعالمها العربي فحسب بل للعالم أجمع!!


بهذا الإيمان وهذه القناعة وهذا الصدق أكتب...


مجلة تحولات - العدد53- آب/أيلول-2010