مقالات المؤسس منصور عازار
دولة إسرائيل أمام تحديات المصير النهائي
منصور عازار
الجمعة 2 حزيران 2017

ستون عاماً مرت على تأسيس ما يسمى بدولة إسرائيل، ذلك الكيان الهجين الذي أنجبته إرادة الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، متخذة من جنوب سوريا (فلسطين) المساحة المتوفرة لوضع أقدامها تمهيداً لخطوتها الأولى آنذاك.


ولم يكن ذلك المصاب الجلل الذي أحاق بالأمة، إلا بناءعلى ادعاء توراتي باطل، يعتبر أن هذا الجزء من وطننا هو الأرض الموعودة للم الشمل اليهودي. فلقد أعلنت هذه الدولة المجرمة أن حقها التاريخي مستمد من وعد إله لشعب إسرائيل القاضي بأن تكون فلسطين أرض الميعاد، حيث يتجمع فيها من شتات الأرض كل شذاذ الآفاق من أبناء هذه الطائفة المغلقة، والتي كانت الأحداث التاريخية قد شردتهم في أرجاء العالم، ولم يقتصر ذلك الوعد المزعوم على التبشير لتجميع اليهود العرب فقط، بل تعدى ذلك ليشمل الذين اعتنقوا هذه الديانة من كافة الأعراق والأجناس والذين لا يمتون إلى هذه المنطقة وتاريخها وثقافتها وحضارتها بأي صلة. وكل ذلك من أجل بناء وطن قومي لليهود فوق ترابنا ليحقق مصالح الاستعمار الجديد.


ولست أرمي في هذا المقال للدخول في أبحاث تاريخية وحقوقية تتصل بماضي هؤلاء الناس، فهذا الأمر يعود إلى أصحاب "الاختصاص" والعباقرة "الأكاديميين" الكثر، الذين يفتشون عن التبريرات والعوامل الإنسانية، التي تسمح بتحقيق أخطر جريمة في تاريخ الإنسانية، وتشرع اقتلاع شعب بكامله تقريباً من أرضه واجتثاثه من جذوره واحتلال منازله وتشريده بالقوة وبكل وسائل الاضطهاد والإجرام والوحش، ليصبح هو اللاجئ المشرد في كل أرجاء المعمورة يعاني المرض والعذاب والقهر والفقر والحرمان والجوع. ويحل مكانه شذاذ الآفاق تجمعهم الخرافات والأوهام والوعود المزورة، من أن الله قد اختارهم دون سواهم ليكونوا شعبه المختار المدلل الذي يحق له باسم ذلك الإله، قتل الناس وتشريدهم والتحكم بمصيرهم والسيطرة على أملاكهم ومقدساتهم، هذا الإله الذي رسموه على شاكلتهم ونسبوا إليه في ثوراتهم: "حين سنّ الله سنته الأولى أجرى الدم إلى ركاب الخيل". فهل الله، وهو الحق والعدل والرحمة والحب وكل الفضائل والمثل العليا، يتحول عند هؤلاء الشذاذ إلى طاغية ومجرم وسفاح لا دور له إلا حماية مصالحهم والسماح لهم بقتل شعب وتشريده واحتلال أراضيه وممتلكاته وتحويله إلى لاجئ متسول على أعتاب الدول في جميع أنحاء العالم؟ من هذه الزاوية ألج الموضوع الفلسطيني لأصل إلى طرح إشكالية حول مدى هذه الجريمة التي ارتكبتها الدول الجوارح في فلسطين. فهل يمكن أن تستمر أمام ضمير العالم وأمام شعبنا بملايينه؟ وما هو المصير الأخير لهذه المسألة الخطيرة التي لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية عبر السنين والأجيال؟


أمراضنا الاجتماعية توسع دائرة الخطر


لا شك في أن شعبنا معني مباشرة بهذه الجريمة، جريمة العصور كلها وأخطرها على المستقبل والمصير، ولقد تنبه بشرائحه الواعية لفداحة النتائج المترتبة على هذا النمو السرطاني الفتاك وانتشاره في جسم الأمة كلها، وهل هو في حالة تنبه واستنفار لما يجب أن يعمل لمواجهة هذا العدو المزروع في كيانه والذي يوجد له وبكل أسف شركاء من نسيجه يتعاطفون معه ويؤمنون له ولو بصعوبة هائلة الانتشار والتغلغل في لحم الأمة ودمها وعظامها؟ حتى بات البعض لا تعنيه فلسطين والبعض الآخر يساوم ويهادن ويسالم ليحصل على الفتات، ظانين أنهم في منأى عن الخطر، متناسين أن إله بني إسرائيل لم يقتصر وعده لشعبه بفلسطين وحسب، بل جاء الوعد بالأرض الممتدة من النيل إلى الفرات، فحين خاطب الرب جد بني إسرائيل (أبرام) أثناء هجرته الأسطورية قال: "لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر، إلى النهر الكبير نهر الفرات"، وهذا ما تسعى إسرائيل إليه الآن بعد أن قويت شوكتها واشتد ساعدها. لذلك إننا اليوم ونتيجة لسوء التقدير واللامبالاة والأمراض الموروثة من العقود البائدة نسهل لهذا الورم السرطاني الخبيث من التمادي بالانتشار في جسم الأمة كلها، وذلك من خلال الموروث من أمراضنا النفسية والاجتماعية من فردية مدمرة وطائفية راسخة ولامبالاة تطبع أخلاقنا وتصرفاتنا، فتجعلنا بلا وعي ولا تنبه لما يحصل لنا وحولنا، وما ينتظرنا من مخاطر أقلها ما حصل لأبناء فلسطين، لأن السرطان النامي في جنوب سوريا سينتشر تباعاً من خلال أمراضنا الاجتماعية المزمنة في جسم الأمة كلها وعالمها العربي وعندئذ لا يعود ينفع البكاء على الأطلال أكان وقوفاً أم جلوساً:


قل لمن يبكي على قبر درس               واقفاً ما ضر لو كان جلس


إن العدو اليهودي وظاهرته المنظمة في هذا العصر المتمثلة بالصهيونية، ابنة الفريسية، يعمل بكل الوسائل المتوفرة لديه وهي كثيرة للسيطرة الكاملة على أمتنا لكي تصبح القاعدة الراسخة لانطلاقته نحو الهيمنة على موارد الكون وخيراته وهو موعود بذلك ليحكم العالم، ولكن هذا الوعد لم يصدر عن إلههم "إيل" بل عن "يهوه" الأكثر بطشاً ودموية. لذلك فإن دورنا أن تكون أكثر انتباهاً واستعداداً لمواجهة هذا المخطط الرهيب الذي يستبيح كل الوسائل المتاحة للوصول إلى تحقيق أهدافه الخطيرة، والذي له الإمكانات المتوافرة من خلال المؤسسات العالمية التي يملكها أو يسيطر على قرارها ومن النفوذ السياسي والعسكري لدى دول أميركا وأوروبا والمشرق العربي والشرق البعيد وصولاً إلى روسيا والصين والهند وباكستان. إن له من كل هذا وغيره من الوسائل المنظورة وغير المنظورة ليتحكم بقرارات مجلس الأمن وقرارات (الدولة الأعظم) أميركا الشمالية وباقي الدول الأوروبية وكل المؤسسات الإعلامية والمخابراتية، له من كل هذه وغيرها من القوة ما يجعلنا نعيد النظر في كل سلوكنا وأعمالنا من أجل أن نتمكن من مواجهة مصيرنا ومستقبلنا.


المقاومة القومية طريق الخلاص


نحن في هذه المنطقة من العالم لم يبق لنا خيار أمام هذه الحقائق المرعبة إلا المواجهة والمقاومة والاستعداد الدائم للقتال، وذلك بكل السبل الممكنة، لأننا أول المعنيين في ما نخططه الصهيونية العالمية من أجل السيطرة على منطقتنا والإمساك بالقرار المصيري الذي يؤمن لها تحقيق أحلامها المريضة على حساب سعادتنا وسعادة الإنسانية جمعاء:


نحن مقاومون حقيقيون بقوة الحق الذي ندعمه بسلاحنا وعقولنا وإرادتنا، نقاوم بكل ما أوتينا دفاعاً عن حقنا في الوجود، فصراع الوجود هو وسيلتنا لبلوغ الأهداف العليا في الحياة التي تصبو إليها من حق وخير وجمال، وإن صيانة حقوقنا وأرضنا ووحدة شعبنا هي التي تبعدنا وتمنعنا بقوة الحق عن الاقتتال الداخلي لأن:


"اقتتالنا على السماء أفقدنا الأرض... فنحن كلنا مسلمون، منا من أسلم لله بالإنجيل ومنا من أسلم لله بالقرآن ومنا من أسلم بالحكمة. فلا يقاتلنا في ديننا وفي حقنا وفي وجودنا إلا اليهود، لذلك نحن معنيون اليهوم أكثر من أي وقت مضى، لتوحيد جهودنا وتوجيه إمكاناتنا ونبذ خلافاتنا الطائفية والإثنية والمذهبية، والتوحد تحت راية الهوية القومية التي تجمعنا، من أجل درء الخطر الذي استفحل. ولقد تعلمنا من تاريخنا العريق، أنه طالما هناك إرادة في شعب فإنه لا يفنى أمام أعتى المستعمرين. فلطالما سقطت بلادنا في أيادي الغزاة، ولطالما استنهضها أبناؤها حين وحدهم حبهم لوطنهم ووفاؤهم وإخلاصهم في الدفاع عنه. فرسالتنا التاريخية كانت ولم تزل وستبقى مصدراً لإنقاذ الإنسانية جمعاء بما يخطط لها ولنا من الإمكانات العقلية والفكرية والإرادة المصممة التي أكدها التاريخ ومن الموقع الجغرافي الممتاز، ما يؤهلنا للقيام بهذا الدور المنقذ لنا وللإنسانية جمعاء. هكذا كنا عبر التاريخ مع الرسالات الروحية والفكرية والنظرات الفلسفية والاجتماعية وهكذا سنبقى مصدر إنقاذ للإنسانية كلها، مستلهمين الذي قال: (لقد آمنتم بي معلماً وهادياً ومرشداً لكم وللناس وآمنت بكم أمة هادية ومعلمة للأمم).



المصدر: مجلة تحولات - العدد تموز/آب-2010