مقالات المؤسس منصور عازار
قد تشيخ المؤسسات... لكن العقائد تبقى فتية
منصور عازار
الخميس 1 حزيران 2017

في المؤتمر الذي أقامته "مؤسسة سعادة للثقافة" عن الواقع السياسي والاجتماعي وآفاق التغيير، ألقى الدكتور ميشال سبع محاضرة قيّمة بعنوان (قبائل وشعوب)، كان لها وقع عميق جداً في نفوس وعقول الحاضرين، وطرح سؤالاً هاماً جداً بقوله: هل شاخ الحزب أم أن العقيدة شاخت؟ قاصداً الحزب السوري القومي الاجتماعي. وهو سؤال خطير جداً خصوصاً حين يصدر عن الدكتور سبع -العالم الاجتماعي المتخصص بدراسة وتطور الشعوب والمجتمعات منذ نشوء الإنسان إلى عصرنا هذا، وله في هذا المنحى مؤلفات ودراسات عديدة، تشهد أنه علامة في علم الاجتماع ومعرفة انتقال الإنسان من حالة كونه تابعاً لقبيلة أو عشيرة، ينتج الفكر والعمران ويبني حضارة تبني له التقدم المتواصل لتحقيق أعلى درجات التطور في النمو والاستقرار في بيئة صالحة للتفاعل الدائم بين العقل والإرادة من جهة وبين الوسائل المتاحة لتحقيق الأغراض النبيلة والراقية لسعادة المجتمع الإنساني في تعاقب الأجيال وتواصلها من جهة ثانية.


من هنا ومن هذا الموقع بالذات تمكن سعادة من وضع العقيدة السورية القومية الاجتماعية، لتكون الجواب العلمي والعملي لما تحتاجه الإنسانية في تعاقب مراحل تطورها ونموها، من فهم وإدراك للحقيقة الثابتة من أن الأفراد يأتون ويرحلون، أما المجتمع فباق والإنسان الفرد يتحول دوره عند سعادة إلى "الإنسان _ المجتمع" وفق قاعدته الذهبية، من أن المجتمعات هي حاضنة الأفراد، تؤمن لهم العقل المتواصل لإظهار تفوقهم ونجاحهم ولتحقيق الأغراض السامية النبيلة النابعة من جوهر وجدانهم الحي المتحوّل من وجدان شخصي إلى وجدان اجتماعي، يعلّم الفرد أن يضيف على شعوره بنفسه، شعوره بحاجات مجتمعية، وأن يضع نصب عينيه مصالح هذا المجتمع التي إذا تأمنت ينال حقوقه وحاجاته من هذا التفاعل الديناميكي ويحقق معنى الوجود الحقيقي للأفراد الفاعلين في المجتمع الحي النامي في تعاقب الأجيال والسنين، إن ما توصل إليه سعادة من وضع أسس جديدة للحياة ومعناها الحقيقي في سياق الزمن ضمن مجتمع معين، ينطبق على أمته السورية وعلى كل أمة في العالم، إذ أنه أكد بالعلم والمعرفة أن الإنسانية مجتمعات، لكل منها خصائصه ومزاياه وميزاته عن أي مجتمع آخر. وإذا تفاعلت وتداخلت المجتمعات الإنسانية يبقى لكل أمة خصائصها ومزاياها التي تميزها عن غيرها من الأمم، وبهذا يقول في كتابه نشوء الأمم، ما معناه أن الأمة جماعة من البشر تحيا حياة موحدة المصير وموحدة الأهداف. والمثل العليا في قطر معين يميزها تفاعلها معه عن باقي الأقطار.


إن ما توصل إليه سعادة، من وضع أسس جديدة حية لأمته وللعالم، وأن المبادئ الأساسية والإصلاحية التي مثلت دعوته لأبناء وطنه أن يؤمنوا بها ويعتنقوها، كوّنت جميعها مع سيرة حياته وإنتاجه اتجاهاً جديداً حياً للشعب السوري الذي إذا فهمه وآمن به، يكون قد وجد خلاصه وحقق ذاته وعرف هويته التي كانت ضائعة. فإذا بسعادة العالم الاجتماعي والدارس والفيلسوف والمعلم، هو من أمضى حياته يتنقل من كتاب إلى كتاب ومن لغة إلى لغة، ويحفر عميقاً في العلوم والمعارف التي توفرت في عصره ليصل إلى وضع المبادئ التي دعا شعبه لاعتناقها إذا أراد هذا الشعب الخلاص والتقدم واستعادة مكانه في التاريخ.


أمام هذه الحقائق وغيرها مما يمكن العودة إليها لاحقاً وفي دراسات أعمق وأشمل، يتأكد للباحث الموضوعي والعالم المجرد من أية غاية شخصية أو سياسية، أن عقيدة أنطون سعادة لن تشيخ بل تبقى إرثاً عظيماً حياً لشعبه ولشعوب العالم قاطبة.


أما عندما نسمع سائلاً عما إذا كان حزب سعادة قد شاخ، علينا أن نتوقف ملياً أمام هذا القول، وأن نتأمل كثيراً قبل إعطاء الجواب، وتكون الصراحة والجرأة والنجدة هي دافعنا إلى ما نكتب.


عندما نضجت عقيدة سعادة في وجدانه وأراد أن يعلنها لشعبه وللعالم اختار هو الوسيلة التي اقتنع بها وهي تأسيس حزب يحمل أعضاؤه الإيمان بالعقيدة فيعتنقوها وفق قسم وضعه ودعا أفراد شعبه لأدائه، وهو واضح وصريح ومبني على التعاقد بين صاحب الدعوة وبين المقبلين عليها، بأن يكون هو زعيماً لهذا الحزب مدى حياته وهو مصدر السلطتين التنفيذية والتشريعية.


لقد أجاب سعادة على هذا السؤال في المحكمة المختلطة للانتداب الفرنسي آنذاك على ما أذكر، إذ قال: إني جعلته مركزياً وتسلسلياً منعاً للفوضى وتثبيت قواعد العمل النظامي وذلك منعاً للتفرد، ومن أجل تحديد الصلاحيات والمسؤوليات. وغير ذلك من أسباب جوهرية وجدها ضرورية لمصلحة التأسيس والبناء.


وبقي الحزب سريّاً إلى أن اكتشفته سلطة الانتداب الفرنسي آنذاك،  وبدأ الصراع بينها ـ بما تملك من قوى ونفوذ ـ وبين سعادة وحزبه الذي كان حينها طري العود، لكنه يحمل قوة الإيمان وصدق العزيمة والالتزام بما تتطلب الحركة الفتية من تضحيات لأجل الثبات في المعركة والاستمرار في بناء النفوس كي تتمكن من حمل هذه العقيدة ونشرها بين أبناء الوطن وعبر الحدود على قواعد واضحة وثابتة تؤمن لها الاستمرار والتقدم والنجاح.


وبدأ الحزب ينتشر بين جميع فئات الشعب. وكانت الوحدة الحزبية المسماة دستورياً بالمديرية تتأسس من الأعضاء المقبلين على الدعوة بعد أداء القسم، وهم من جميع فئات الشعب، بينهم العامل والفلاح والطالب والأستاذ الجامعي وسائق الشاحنة. فالمديرية هي المكان الوحيد الصالح لصهر النفوس في العقيدة والإيمان ومتابعة استقبال الداخلين إلى الحزب عبر القسم من أجل المحافظة على وحدتهم والعمل الدائم المتواصل في المجتمع.


هذا من ناحية البنية الحياتية للوحدات الحزبية التي كانت الإطار الوحيد الصالح ولم تزل، لصمود العقيدة في النفوس ومواجهة الأحداث الجارية مهما كانت قساوتها.


فالعقيدة تنمو وتنتشر في المجتمع بلا حدود، وهي تصل تباعاً إلى الأفراد فيعتنقوها أو يرفضوها كونها في حالة صراع دائم مع المفاهيم القديمة السائدة بين الناس. وهي دائمة الحركة تفتش عن القتال ولا يفتش القتال عنها.


وما الحزب إلا الإطار الصالح لاحتضان المقبلين على هذه الدعوة. أما إذا حصلت أسباب معينة لجعل التنظيم الجامع للمؤمنين غير قابل لاستيعابهم والمحافظة عليهم فهل تقف العقيدة وأتباعها يتفرجون على هذا المشهد الذي نحن عليه اليوم؟


سؤال أطرحه وآمل من الدارسين المدققين في تاريخ الحركات الفكرية والعقائدية عبر التاريخ الإجابة عليه.


أما جوابي عن السؤال الأساسي "هل شاخ الحزب" فأقول: إن المؤسسات كالأفراد يمكن أن يعتريها الضعف والوهن، ويمكن أن تستمر حاملة الكثير مما يتناقض مع جوهرها وحقيقتها. عندئذ عليها إما أن تنتفض وتعدّل بسلوكها ووسائلها المسار الذي هي عليه، وإما أن تصبح وعاءً بلا مضمون جوهري تتغلب عليه النزاعات الفردية والمصالح الآنية.


فكل بيت انقسم على نفسه زال، ولا يمكن في التحليل الأخير ربط مصير العقيدة وعظمتها ونموها في المجتمع على تعاقب الأجيال والأزمنة والأنظمة والأشكال التي ابتدعها المؤسس، والتي لم يتمكن أتباعه من احترامها وتطبيق نصوصها وروحها كما أراد، ولا شك عندي أنه يحق لأبناء سوريا وبناتها من حملة هذه العقيدة التي لا تشيخ، بل تنمو وتنتشر وتتطور في المجتمع بلا حدود، أن يبتدعوا لها وسائلاً وأشكالاً جديدة أخرى تمكّنهم من تحقيق الغاية المنشودة بواسطتها. فالجوهر هو العقيدة وليست الأشكال التي تساعدها على تحقيق أهدافها السامية.


وإني أنصح بما مرّ علي في هذه الحياة من تجارب وخبرات أن يفتش القيّمون على مصير المؤمنين الباقين في صفوفهم، عن وسائل أخرى للاحتفاظ بهم، فالفصل والطرد من جهة الإغراءات من جهة ثانية، لم تعد كلها صالحة للاستمرار والمحافظة على هيكله "بالحقيقة قد شاخ ويلزمه عودة روح وعقل سعاده إليه".




مجلة تحولات - العدد 51 - حزيران - 2010