مقالات المؤسس منصور عازار
ما مصير الإنسانية تحت وطأة التكنولوجيا والطغيان السياسي
منصور عازار
الأربعاء 31 أيار 2017

في الجامعة اليسوعية وعندما كنا ندرس الحقوق كان أستاذنا في مادة الاقتصاد السياسي يردد على مسامعنا الجملة التالية:


L’humanité avance avec des faux pas en arièrre
الإنسانية تتقدم في خطوات ناقصة إلى الوراء.


هذه الجملة لم تزل في ذاكرتي إلى اليوم وكلما تأملت بأحوال العالم خلال هذه السنين الطويلة وخلال أسفاري الكثيرة في هذا الكون كانت هذه الكلمة تعود إلى ذاكرتي كلما تأملت في هذه المتغيرات من حولي. إن التبدل الخطير الذي حصل خلال هذه الأعوام قد غيّر الإنسان وجعله يتقدم إلى الوراء.

فبينما العلوم والاختراعات تطور طرائق العيش، وتسهّل للإنسان الكثير من الوسائل الهامة من مواصلات وتنقل وظهور عصر المعرفة بكل أشكاله وألوانه ومجالاته وأنواعه، إذا بالمناقب والنواحي الروحية التي ترافقها تتراجع فيصبح الإنسان عبد العلوم التي اخترعها وأسير الوسائل الهامة التي أمّنت تسهيل حاجاته فإذا بها تجعله عبداً للاختراعات العلمية التي أوجدها وطورها لتصبح الخطر الأكبر على حياته ومستقبله. هذا الإنسان الذي يتمتع اليوم بالكثير من الإبداعات التي سهلت عيشه وأمنت له الراحة المادية من جميع نواحيها، تراه يتراجع في شؤون الرقي النفسي والخلقي وأصبح بالفعل عبداً للآلة التي اخترعها، وطوّرها لدرجة أنها حلّت محله وقتلت الروح والخيال والخلق والإبداع في مجالات التطور النفسي والخلقي عنده، فإذا الإنسان اليوم يصبح عبداً للآلة التي اخترعها وطورها، وباتت تتحكم بكل دقائق حياته، فاختل التوازن في المجتمعات الإنسانية. وغدا الإنسان أسيراً لما طور من علوم ومعارف لتصبح خطراً مدمراً لحياته ولحياة البشرية جمعاء. فكم تغير العالم منذ الأربعينات. سبعون عاماً ونحن نشاهد هذا الانتقال السريع من حالة القرون العابرة إلى حضن العولمة التي ألغت المسافات ووحدت مظاهر التفاعل الإنساني، إذ أنه في ثانية واحدة يصل صوتك من باريس إلى نيويورك مع الصورة والكلمة التي تريد مطبوعة من فكرك إلى أذني وعيني السامع في المقلب الآخر.


فإلى أين يتجه هذا الكون؟ وهل الإنسان بما عليه من إرث أخلاقي سيتمكن من السيطرة على مخترعاته التي قد تحمل أسباب دماره بالكامل؟
فأين العقل والإرادة والمشاعر القادرة على التحكم بهذه الوسائل الفتاكة التي لمستها إصبع حاكم من هؤلاء الواقفين على أعلى مراتب مسؤولياتهم تفجّر الكون وتقطع الهواء عن البشر، فإذا بسكان العالم وهم بالمليارات في مواجهة مصير الزوال الحتمي؟!


فالأميركيون، سكان الولايات المتحدة الأميركية يمسكون كل ما في العالم من طاقات وقوى ومؤسسات، وهم متمكنون بفعل نظامهم وعلومهم من إدارة اللعبة العالمية في التجارة والصناعة والإعلام والسياسة ووسائل الإنتاج عامة، ويحركون خيوط اللعبة في كل الأقطار من أجل إبقاء الكون مشغولاً في حروبه الداخلية والحروب الإقليمية المتتابعة. فهل يمكنهم من السيطرة الكاملة على هذه القوى التي أطلقوها للتحكم في موارد الكون وحياة البشر؟ وهل للصهيونية العالمية التي هي في قلب هذه القوى المنظمة من رادع يعيقها من تنفيذ مخططها الرهيب ألا وهو الإمساك بكل موارد الكون من إنتاج وطاقة وهيمنة كلية على ما في هذه الكرة الأرضية من أجل تحقيق حلمهم بالسيطرة الكاملة على القوى الفاعلة والمنتجة في هذا العالم؟


لذلك نحن نعتقد أن الإنسانية اليوم على شفير خطير قد يقضي على وجودها ويفجر الكرة الأرضية، والسبب الواضح هو هذا التفاوت العميق بين التقدم العلمي وتطور المجتمعات الإنسانية الأخلاقية والأنظمة المتخلفة التي تتدبرها.


هذا التفاوت يحمل معه الخطر الأكبر على مصير الإنسان ومصير الكون برمّته، فطالما أن الإنسان لم يتمكن بعد من تطوير حياته للخروج من الحالة التي هو فيها يبقى عرضة بما يحمل في تكوينه من فقدان التوازن بين التطور العلمي الذي يحمل إمكانية التدمير للإنسانية، وبين الأخلاقيات التي يتعامل بها لتحقيق طموحاته المريضة والأساليب التي يستعملها للسيطرة على موارد الكون.


إن هذا الصراع القائم بين التقدم العلمي والتخلف المناقبي يشكل اليوم في نظرنا مشكلة الإنسان على الأرض، إذ أن الإنسانية دخلت في حالة انفصام خطير ومدمّر. فهل تمكن الفلاسفة والمصلحون من تحرير الإنسان وتأمين التوازن الذي يتيح له السعادة والاستمرار. وهل تمكن الفلاسفة والمصلحون عبر التاريخ من إيجاد المفاهيم الصحيحة في تفسير الوجود الإنساني على حقيقته وواقعه؟


هذا هو السؤال الخطير الذي نطرحه ونحن نواجه هذه التحديات المصيرية للإنسانية جمعاء. أن نكون أو لا نكون. وهل حلت شريعة الإنسان الراقي محل شريعة الغاب؟ فانتقل الإنسان من غابات الأحراش إلى غابات المنازل، منازل الباطون المسلح وناطحات السحاب؟


وأين الإنسان الآن بفعل ما ورث من تعاليم فلسفية ونظريات اجتماعية من ديمقراطية واشتراكية وديكتاتورية وملكية ورأسمالية وغيرها؟


أين هذا الإنسان من تأمين سلامته وفهم حقيقته وتفسير وجوده المتنامي على هذه الكرة الأرضية؟


يجتهد الإنسان في إيجاد الاختراعات من كل الأنواع وعلى كل الصور ويدخل باطن الأرض وعمق البحار ويسبح في الفضاء الواسع الأرجاء ويؤمن الاتصالات والمواصلات بالسرعة الضوئية ويتفوق في مجالات اختراع كل أنواع العلوم والمعارف واكتشاف قوى التعمير والتدمير، ولكنه إلى الآن عاجز عن معرفة تأمين سلامته ووجوده واستمراره وإيجاد صيغ الحياة الاجتماعية التي توفر له الراحة والأمان والطمأنينة والاستقرار.


هل تمكنت فلسفاته ونظرياته الموروثة والتعاليم التي تربى عليها من تأمين السلام الحقيقي بين ظهرانيه؟


لست أجد هنا إلا المصارحة الكاملة من أن الإنسان قد فشل فشلاً ذريعاً في تأمين سلامته وسعادته على هذه الأرض، وأن هذا العصر الذي نحن فيه، والذي ورث جميع الاكتشافات والاختراعات والمعارف الفلسفية والعلمية التي هي حاصل الاجتهادات العقلية على أنواعها، هذا الإنسان لم يزل بعيداً عن معرفة وجوده وتفسير حياته؟


إن هذا الموضوع الخطير يعنينا بالدرجة الأولى كشعب أعطى الإنسانية في ماضيها وحاضرها الكثير من قوى المعرفة والسيطرة على الذات، وهو اليوم مؤهل ليدلها على ما تنطوي عليه الحياة من تفسير حقيقي للوجود وللفعل في تغيير هذا الكون، وهنا نصل إلى دراسة فلسفة سعادة "المدرحية" ونظرته إلى الحياة والكون والفن وتفسيره للإنسان ـ المجتمع، واعتباره أن التفاعل الموحد للقوى الإنسانية هو الحقيقة لمعرفة الوجود الإنساني وما ينطوي عليه من تفسيرات تعطي الحياة معناها الحقيقي ووجودها الحي المستمر.


... ولهذا حديث آخر.





مجلة تحولات - العدد 50- أيار - 2010