في العدد الأربعين الصادر في آذار من العام 2009 من "تحولات" وقبل الانتخابات النيابية كتبت مقالاً عنوانه: "الاغتراب اللبناني ثروة وليس بازاراً"، وفي العدد 46 من كانون الثاني العام 2010 من المجلة نفسها وجهت رسالة إلى فخامة رئيس الجمهورية حول "الموضوع الاغترابي" ضمّنتها وصفاً عن أحوال المغتربين وكيفية انتشارهم في القارات الخمس من هذا العالم وتنوّع أحوالهم وفق كل قارة، وكان هذا التوجه من وحي مقطع أورده رئيس الجمهورية ميشال سليمان حول اهتمامه الخاص في موضوع الاغتراب اللبناني وتشجيعه للمغتربين للعودة إلى وطنهم الأم من أجل السياحة أو الاستثمار لكون لبنان وطنهم الأصلي يحتاج إلى عنايتهم الخاصة واهتمامهم بأحواله مهم، وهو حاضر لاستقبالهم وتسهيل كل ما يطلبونه من أجل إنجاح المشاريع والأعمال التي من الممكن أن يقيموها في لبنان...
وأعيد هنا التركيز بما قاله الرئيس سليمان لأهميته القصوى: "وفدَ المغتربون بشكل غير مسبوق إلى وطنهم ليس مجرد سياح فحسب، إما مودعون ومستثمرون ومساهمون في نهضة مجتمعهم الوطني. هؤلاء الرواد الذين يتناهى إلى هنا وهناك إبداعاتهم اليومية في مختلف الميادين يحدوهم الأمل ببناء الدولة الحديثة انطلاقاً من الثقة المتجددة بين اللبنانيين في عيشهم المشترك وفي توطيد السلام الأهلي وقد قطعنا خطوات ثابتة وأكيدة في هذا المجال".
***
لم أعرف بالحقيقة ما إذا كانت هذه الرسالة قد نالت اهتمام فخامة الرئيس أو أكان قد اطلع عليها أو أن المهتمين في شؤون الاغتراب في القصر الجمهوري أو في وزارة الخارجية والمغتربين قد وقعت أنظارهم على ما جاء فيها:
على كل إن ما حصل من نتائج سقوط الطائرة الأثيوبية والضحايا الذين دفعوا حياتهم ثمناً لهذه الهجرة المتواصلة من لبنان إلى المناطق الأفريقية الغربية يدعونا إلى وقفة تأمل وألم وعودة جدية إلى هذا الموضوع الخطير الذي يتسوجب منا كل عناية ومواجهة صريحة وواضحة وجريئة، لأن الشأن الاغترابي لم يعد يتحمّل هذا النوع من الإهمال واللامبالاة ومداواة "الحمى بقشر البطيخ".
إن الدولة "رأس الهرم وكل الدوائر المعنية في شؤون الاغتراب مطلوب منها وقفة وعي وضمير لإعادة النظر الجذري في سياستها وقراراتها وسلوكها تجاه "الموضوع الاغترابي" الذي لم يعد يتحمّل هذا النوع منه اللامبالاة لكونه يتناول حياة ومصير الملايين من المغتربين اللبنانيين المنتشرين في كل أنحاء المعمورة.
إن موقفاً كهذا الذي نشهده كل يوم في وسائل الإعلام ونسمعه في تصاريح الجهات المسؤولة لم يعد يكفي لمعالجة هذا الأمر الخطير الذي يتناول مصير الملايين وحياتهم من اللبنانيين المنتشرين في العالم.
إن موضوع الاغتراب يتطلب في عصر كعصرنا تغييراً جذرياً في أساليب التفكير والعمل ويحتاج فعلاً إلى عقلية جديدة يحملها رجال متخصصون ومتفوقون في معرفة ما يحصل في هذا الكون من تغيرات وتطورات ويكونون من جيل غير هذا الجيل البائس الذي يحتل مراكز ووظائف لا يهمه منها إلا أموره الخاصة وقناعاته الموروثة المريضة المتجذرة فيها الأمراض الطائفية والخصوصيات الفردية وكسب المعاش الشهري وما يضاف إليه من "إكراميات هي عنوان الفساد الموروث من العهود البائدة؟".
إن الكارثة التي حصلت نتيجة سقوط الطائرة الأثيوبية وما رافقها وما نتج عنها يفتح أمامنا باباً خطيراً لإعادة النظر في كيفية مواجهة أحوال المغتربين في أفريقيا.
وهنا علينا أن نقف وقفة ضمير وشعور بالمسؤولية الخطيرة التي تقع على عاتق الدولة وعلى عاتقنا لأن هذا الموضوع لم يعد من المجدي السكوت عنه لأنه يتناول حياة ومصير ومستقبل ملايين من أبناء هذا الوطن المنتشرين في هذه القارة السمراء وغيرها من القارات في العالم، ولقد أكدنا في تلك الرسالة إلى فخامته على ما يستحق هذا الموضوع من عناية وملاحقة واهتمام واضحين أمام الدولة عبر بعض الاقتراحات والحلول الممكن اعتمادها من أجل حماية وسلامة أبنائها المنتشرين في أربعة أقطار المسكونة.
والآن وقد وقعت كارثة الطائرة الأثيوبية المنكوبة ونجمت عنها خسائر بشرية أودت بحياة عدد كبير من فلذات أكبادنا، ألا يجد بنا أن نتوجه من جديد إلى رئيس البلاد وأعوانه من مستشارين ووزراء في موضوع الاغتراب اللبناني، خصوصاً إلى أفريقيا التي أصبحت خطراً ويستأهل أولوية العناية في معالجة أمورنا المصيرية والخطيرة بإنشاء وزارة للمغتربين تعنى بشؤونهم ومصالحهم ومستقبل أولادهم فيحل في واجهة اهتماماتنا الأساسية والملحة في آن معاً...
سؤال نطرحه على المعنيين بأمور الاغتراب، ومن هم في مركز التوجيه والقرار، علناً نجد أذاناً صاغية وإرادة حية تضع في أولويتها هذا الموضوع الخطير الذي يعني الآلاف بل الملايين من أبناء شعبنا المنتشرين في أفريقيا والعالم!
وهذا يعطي الحق في الحد الأدنى للمساءلة والتدقيق مباشرة وصراحة إلى المعنيين بدور الجامعة الثقافية اللبنانية في العالم أين هي هذه الجامعة وأين موقف الدولة؟
هل يحق للقيمين على نشوء هذه الجامعة ترك أحوالها تتدهور إلى هذا المستوى من الانقسام والتشرذم والإهمال والفوضى ومعالجة الأمراض المستعصية في جسمها بالطرائق والأساليب التي أوصلتها إلى هيكل عظمي فارغ من كل حركة منتجة لا حياة فيها سوى مظاهر الحفلات والزيارات التي تفرغها من أي مضمون جدي؟
هذه المؤسسة اللبنانية الوحيدة المنتشرة منذ ما يقارب الخمسين عاماً في كل مناطق العالم حيث يوجد لبنانيون، هل نتركها تتدهور وتنقسم حتى تنهار؟
وهل نداوي أمراضها المستعصية بالمسكنات واللجان الفارغة من أي مضمون إيجابي كمن يداوي مرض السرطان بالأسبرو؟ هل نتركها تنقسم لتخرب ويحلّ التنافس الهدام المفرّق قواها محلّ وحدتها التي هي سبب وجودها؟
هنا أتوجه من جديد إلى رئيس الجمهورية لأتمنى عليه أن يوقف هذه المحاولات الفاشلة من تأليف لجان المصالحات العقيمة والتسويات الفاشلة القائمة على مراعاة الطائفية والمصالح الفردية أو العودة إلى وضع الدولة يدها على هذا الموضوع الخطير فتؤلف هيئات رسمية من أصحاب الاختصاص تكون بعيدة عن ذوي الغايات الخصوصية والنزاعات الفردية والطائفية الهدامة، وتصدر القرارات وفقاً للقوانين التي تجعل من هذه الجامعة أداة فاعلة لعلها تعيد لمّ شمل المغتربين وتوحيدهم بإسم "الشرعية والقانون".
وبهذا قد يمكننا أن نُوقف هذه المأساة التي جعلت الاغتراب اللبناني مجال خلافات ومزايدات وأنشطة تصبّ كلها في تعزيز المظاهر الفارغة البعيدة عن المصالح العليا لهؤلاء المغتربين وتمكنهم من التغلب على الفرقة لتحقيق المكاسب العامة وأداء الواجب المطلوب منهم لخدمة وطنهم الأم.
مجلة تحولات- العدد48-آذار - 2010