مقالات المؤسس منصور عازار
إنها الجغرافيا... أيّها الأغبياء!
منصور عازار
السبت 27 أيار 2017

"لن أقول وداعاً سورية، بل إلى اللقاء" عبارة قالتها النائبة بهية الحريري من على منبر الاحتفال في ساحة البرج في بيروت بمناسبة تشييع الرئيس الحريري في مظاهرة شعبية حاشدة وسط نشوة جماهيرية غاضبة تكرس الوداع الذي لا تلاقي بعده، كما يتوهم ويتمنى الانعزاليون.


غير أن صوتاً هادئاً اخترق كل هذا الحماس وهذا الضجيج وأعلن بهدوء أصحاب الرؤيا واستشراف المستقبل والغد الآتي: "لن أقول وداعاً سورية، بل الى اللقاء".


وها هي الأيام تثبت هذه الحقيقة التي تحمل بصدقها وعفويتها ما كان ينتظره أهل الرؤية والحكمة والمعرفة من أن كل هذا الضجيج العابر وهذه الأمواج السياسية العاتية ستهدأ يوماً، وتنجلي الحقائق الثابتة في انتصارها على العصبيات والجهل والتعصب والخوف والأوهام الموروثة من العهود البائدة التي أنتجت الإنسان والفاقد صفات الثقة بالنفس والقوة الذاتية، فأصبح عجيناً رخواً في قوالب الأفكار الجامدة فعطلت قواه العقلية وجعلته عبداً لمعتقدات سقطت أمام الحقائق الإنسانية التي أكدها عصر المعرفة والعلم وأثبتتها التجارب المتنامية جيلاً بعد جيل.


 وما مشهد اللقاء الأخير في دمشق الذي رأيناه جميعاً عبر شاشات التلفزة إلا الإثبات الحقيقي لمقولة "إلى اللقاء سورية"، فأهل "السياسة" عندنا بعد أن تغيرت الدنيا حولهم وكادت مواقفهم أن تودي بالبلاد إلى تهلكة لولا مخاض عسير كشف لهم على عجل حقائق تتحكم بمصيرهم فأعادوا حساباتهم وهدأت خواطرهم وسقط هذا "الكباش" المستحكم لتأمين مكاسبهم، وبعد أن لعبت المصالح العالمية المتجسدة في هيمنة القوى الكبرى على موارد العالم وتقاسم النفوذ بينها، بأن دور الدول والشعوب في النزاع القائم تكرسه حقائق الجغرافيا والتاريخ والدور والحجم، أعادوا حساباتهم فعرف كل منهم حجمه واكتشف حقيقة المصالح التي قد تجمع أو تفرق بينه وبين الآخرين، ما أدى إلى حالة جديدة من مؤشراتها:


أولاً: إن ما يربط الجمهورية اللبنانية بالجمهورية العربية السورية هو أقوى بكثير مما حاول المنظرون إثباته بجهلهم، عوامل الجغرافيا والتاريخ ووحدة المصير والمصالح الواحدة، وقد أدى ذلك إلى الجنوح نحو التفتيش عن مبررات قطع لبنان عن محيطه الطبيعي ومداه الحيوي، فحصلت الازدواجية التي جعلت مرض انفصام الشخصية مسيطراً على غالبية السلوك السياسي اللبناني ومصالح أقطابه وظهرت حالة شاذة بين مصالح اللبنانيين في الحفاظ على انتشارهم الواسع في المحيط الطبيعي الذي ينتمون إليه وبين ذهنية الكره والتعالي التي يحملها بعضهم في نفوسهم نتيجة التربية والتوجيه الخاطئين بعامل الدعوات الأجنبية ونشوء جسم غريب ومعادٍ وسرطاني إلى جوارهم، همه الأول أن تربى أجيال متعصبة بالتفرقة والحقد والعداء لانتمائهم الطبيعي ومستقبلهم في التفاعل الموحد لقواهم مع إمكانات هذا المحيط وخبراته الذي ينتمون إليه والذي يفتح ذراعيه لاستقبالهم والعمل إلى جانب إخوانهم لنهضته وعمرانه وتقدمه وتوظيف موارده وخيراته الطبيعية لبناء مستقبل واعد للأجيال الطالعة.


ثانياً: إن التطور الذي حصل في العالم والمتغيرات الناجمة عنه قد بدل قناعات أصحاب القرار والشأن العام، ولم تعد سورية عدواً، كما صوّرها الإعلام المضلل، بل أصبحت الجار المميز والشقيقة الحنون المطلوب التحالف معها وعضد قوتها وتعزيز إمكاناتها وحجم تفاعلها مع محيطها الجغرافي الأقرب ودورها المحوري الإقليمي في التحالفات المستجدة، فإذا بالأتراك والإيرانيين والسوريين يدركون أن مصالحهم في أن يكونوا متقاربين في وجه ما تخططه إسرائيل وأميركا من أجل تفكيك المنطقة وجعل العراق المجال الأول والمباشر لاختباراتهم في إقامة دويلات طائفية وعرقية تخدم مصالحهما من جهة، وتسيطر على موارد العراق الطبيعية من جهة ثانية، التي كانت ولما تزل هدف هذه الدول الجوارح التي لا هم لها إلا ابتلاع خيرات الأمم وتفتيتها ليسهل عليها ابتلاعها، والسيطرة على شعوبها ومواردها وتحويلها إلى مجتمعات استهلاكية لا دور لها في الإنتاج والخلق والإبداع والتفوق في صراع المصالح الدولية.


ثالثا : عكست كل هذه التغيرات الحاصلة، الوجهة التي كانت تخطط لها أميركا وإسرائيل وأصبح الهم الأول دعم هذا الجسم الغريب المزروع في وسط محيطنا الطبيعي والعربي وإيجاد الوسائل الآيلة إلى بقائه واستمراره مهيمناً في هذه المنطقة من العالم.


وها نحن نشهد معركة موت وحياة، بين الكيان الإسرائيلي الغاصب وبين أصحاب الأرض والتراث والتاريخ ومحاولة اقتلاعهم من جذورهم، غير مدركين أن هذا الشعب بكل قواه وإمكاناته وتاريخه تحول كله مع محيطه الطبيعي في سورية والعالم العربي والعالم إلى مقاومة حقيقية لا يمكن لأية قوة في العالم مهما علا شأنها أن تغير وجهة السير لهذه المعركة لأن سلاحها الأول والأخير هو الدماء التي تجري في عروق أبنائها مدعوماً بكل ما تيسر لها من سلاح ناري ومادي ولوجستي وفكري وحضاري، معززاً بقيم الشهادة والشجاعة والعطاء.


وما أهل غزة والضفة والقدس، وكل فلسطين إلا دليلنا على ما نقول.


رابعاً: أنتجت كل هذه التغيرات الحاصلة في المنطقة وقائع جديدة أهمها اعتراف العالم الغربي أن الدور الأول والأساس الذي تلعبه سورية، لا يمكن لقوة في العالم أن تعيق تقدمه وتفاعله مع منطقة المشرق العربي.

كما وأن دورها العربي وتحديداً مع المملكة العربية السعودية، بات فاعلاً ومؤثراً في القرارات المتعلقة في شؤون هذه المنطقة وشجونها، خصوصاً المملكة العربية السعودية التي رغم تجاذباتها الداخلية وتأثير المصالح الأميركانية على مصادرها الطبيعية برهنت في النتيجة أنها فاعلة ومدركة أهمية الدور السوري في منطقة الشرق الاوسط، خصوصا في المدى الجغرافي والتاريخي الذي في تفاعله بين الهلال الخصيب والجزيرة العربية ينتج قوة مؤثرة جداً في مصير المنطقة كلها، فعلى الرغم من كل التجاذبات الحاصلة لتعطيل هذه العلاقة الاستراتيجية الطبيعية انتصرت فكرة التعاون والتكامل الشامل ونتج عن ذلك تأمين مصلحة التفاعل الطبيعي بين الكيانين الشامي واللبناني، يؤكد وحدته المصيرية بالترابط الاقتصادي، والعائلي، ومصالحه العليا في الحياة وأهمها الدفاع عن وجوده موحّداً في وجه السرطان الغاصب القائم اصطناعياً! ...


 "إلى اللقاء سورية" عبارة لها معانيها وأصداؤها ولها الدور الفاعل في فتح صفحة جديدة من العلاقات الحميمة التي ظهرت أول تباشيرها في هذا اللقاء التاريخي بين رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري والرئيس السوري بشار الاسد، فكأن صفحة جديدة بدأت، كما استجابة لهذا النداء التاريخي الذي أطلقته سيدة كريمة من بلادنا... فهل تكرس الدولتان السورية واللبنانية لقاءهما بما يتجه لإلغاء مفاعيل الأمر الواقع التقسيمي المفروض عليهما منذ تسعة عقود، من أجل تكامل المصالح وعودة دورة الحياة الطبيعية لما فيه خير وصالح المواطن في الدولتين؟


مجلة تحولات - العدد السابع والأربعون- شباط 2017