شجعتني لفتتكم الكريمة في رسالة ذكرى الاستقلال إلى موضوع المغتربين على أن أتوجه إلى فخامتكم بهذا الكتاب المفتوح لأعبّر أولاً عن سروري لما ورد فيها بشكل عام مما يطمئن الجميع أن على رأس الجمهورية رجل حكيم مصمم على إقامة الدولة عبر توطيد الثقة بين اللبنانيين على الرغم من مجمل التحديات الضاغطة.
ولفت انتباهنا قولكم: "استقلالنا الوطني ليس مجرد محطة من الماضي. إنما هو فعل إيمان بالحوار وبالعيش المشترك والتطلع إلى دولة القانون والمؤسسات التي نريد".
وقولكم "إنها دولة الاستقلال، التي بدأت ترسخ مسيرتها بسواعد شبابها الذين حرروا أرض الوطن وقاوموا العدو الإسرائيلي". ثم قولكم "وفد المغتربون بشكل غير مسبوق إلى وطنهم، لا مجرد سياح فحسب، إنما مودعين ومستثمرين ومساهمين في نهضة مجتمعهم الوطني. هؤلاء الرواد الذين يتناهى إلى مسامعنا إبداعاتهم اليومية في مختلف الميادين يحدوهم الأمل ببناء الدولة الحديثة انطلاقاً من الثقة المتجددة بين اللبنانيين في عيشهم المشترك، وفي توطيد السلم الأهلي وقد قطعنا خطوات ثابتة وأكيدة في هذا المجال". هذه الفقرة الأخيرة عن الاغتراب والمغتربين، هي التي حدت بي وشجعتني لأنقل إلى فخامتكم الصورة التي نحن عليها في عالم الاغتراب.
بدأت ملحمة الاغتراب الحديث، كما يعلم فخامتكم، منذ منتصف القرن التاسع عشر وامتدت إلى القرن الواحد والعشرين الذي نحن في بدايته.
وإذا تعمقنا في مراحل الاغتراب وأسبابه، نجد أن الدوافع إليه قد تبدّلت مع تبدل الظروف والأحداث. مسيرة الهجرة وملحمة المغتربين يا فخامة الرئيس تعرفونها، لذلك أريد أن أتوقف عند نتائج هذا الاغتراب وما يحمل معه من متاعب وتضحيات وعذاب أليم.
أنا الذي أمضيت خمسين عاماً من حياتي في دنيا الاغتراب، اسمح لنفسي بأن أنقل لكم خبرتي ومعرفتي وبعض المقترحات العملية التي قد تفيد لفتتكم هذه.
اتخذ اللبنانيون في كل قارة نزلوا فيها ومع مرور الزمن، أطباع وعادات هؤلاء الناس الذين عاشوا بينهم وساهموا من خلال نشاطهم وعرق الجبين في عمران تلك البلدان. فكانت الجاليات اللبنانية متنوعة وفق تنوع البلدان التي نزلوا فيها.
ما يهم أوضاعهم الآن ـ بعد أن أصبح العالم كله "قرية واحدة" نتيجة تقدم العلوم والمواصلات أن تنتظم أحوالهم وتصبح الروابط بينهم وبين وطنهم الأم قائمة على أسس عملية تضمن لهم حقوقهم وتحمي مصالحهم وإنجازاتهم.
ولبنان اليوم، بعد كل هذه التطورات العلمية والتربوية تقدمت فيه دراسات الأجيال الطالعة واختصاصاتهم، فأصبح لبنان المكان الصالح لتأهيل هذه الأجيال وتثقيفها تعليمها وإمدادها بكل ما يحتاج هذا العصر من علوم ومعارف، ثم تهجيرها وتوظيفها لسد الفراغات والحاجات التي تتطلبها وسائل الإنتاج في هذا العالم.
وتشير أحدث الإحصاءات إلى أن عدد سكان لبنان هو أربعة ملايين نسمة على وجه التقريب، ويزيد بالولادة كل سنة مائة ألف. من جهة أخرى، تؤكد الإحصاءات أن عدد المسافرين إلى الخارج هو أيضاً مائة ألف مواطن في السنة، أي أنه يولد عندنا مائة ألف طفل، وفي الوقت عينه نصدر إلى الخارج مائة ألف شاب متخصص في شتى العلوم العصرية والاختصاصات المتنوعة.
وبهذه الأرقام الواضحة، نستنتج ما يلي:
ـ يهاجر من لبنان الشباب المتخصص في سائر العلوم والمعارف والاختصاصات لسد حاجة الأسواق العصرية النامية في هذا العالم، ما يكلف الأهل والدولة مليارات الدولارات، فيما يبقى في لبنان الأطفال والشيوخ الذين تلقى تكاليف تربيتهم وإعالتهم على عاتق الأهل والمغتربين والدولة. فكيف يمكن أن يستقر وطن أو كيان أو دولة، إذا كان يغني أسواق العالم بأفضل العناصر ذات الاختصاص العالي، ويبقى على عاتقه الأطفال والشيوخ نترك لأصحاب الاختصاص تقدير ما يكلفون من أموال وجهد.
إذاً، من واجبنا يا فخامة الرئيس أن نطرح على أنفسنا السؤال الخطير: إلى أين نحن ذاهبون وما هو المصير وما العمل؟
من أجل أن نحول هذه النقمة التاريخية المتعددة الأسباب إلى نعمة، علينا أن نعرف كيف نعالجها. وإلى الآن، كان يتم ترك هذا الأمر للأحداث الجارية والتقلبات السياسية لتتحول إلى تجاذبات تخضع للأحوال المتغيرة. فترك الأمر من دون معالجات جذرية. وفي رأينا، من الممكن إصلاح الوضع مهما تردّت حالته إذا ما توفرت الإرادة المصممة لإيجاد الحلول المناسبة وهذا ما نأمله في عهدكم!
لذلك أقترح ما يلي:
أولاً: فصل وزارة الخارجية عن المغتربين وإنشاء وزارة لهم تكون مهمتها دراسة أحوالهم من خلال إحصاء علمي يسهل تحقيقه في هذا العصر الذي تتوفر فيه كافة الوسائل الواجبة لهذا الموضوع، فيكون هناك تفريق واضح لتطورات هذا الاغتراب:
1 ـ فالاغتراب الإفريقي له أحواله وظروفه. فاللبناني هناك مشدود إلى وطنه بعامل عدم إمكانية الاندماج والذوبان في المتحدات القائمة هناك. كما أن انتشار اللبنانيين هناك قد عم غرب إفريقيا وجنوبها وأصبح يفوق عدده النصف مليون إنسان، وخصوصيته، إن هذا الاغتراب مشدود حتماً إلى الوطن الأم. وإهمال الجالية هناك يفسح المجال أمام تعليم أجيالها الصاعدة في أوروبا ما يؤدي إلى بقائها هناك والاندماج في المجتمعات الأوروبية.
كما أن مردود هذا الاغتراب المتحرك دائماً هو الأقوى لما فيه مصلحة الاقتصاد اللبناني.
من جهة أخرى، فإن هذا الاغتراب الهام جداً معرّض لصراع المصالح مع باقي الشعوب المهاجرة إلى هناك من أوروبيين كانوا أسياد الاستعمار، إلى آسيويين من الصين واليابان، إلى الوجود الإسرائيلي الذي يتطلع إلى خيرات هذه القارة الفتية في مواردها والتي تشكل مورداً هاماً لكثير من المواد الأولية، أهمها البترول والأخشاب والكاز والفستق وغيرها من معادن ثمينة كالذهب والألماس وكافة الأحجار الكريمة. كما أنها لا تزال من أهم الأسواق التجارية التي تستقطب المنتجين في إسرائيل وأوروبا وأميركا لبيع بضائعهم واحتلال الكثير من القطاعات الهامة وحاجاتها للأمن والجيش الدفاع.
إن موارد إفريقيا هامة جداً للبنان، والعناية الخاصة بالجاليات هناك تتطلب معرفة أحوالها وتنظيم طاقاتها وحماية المغتربين المعرضين يومياً للكثير من المضايقات لأسباب عديدة أهمها موقعهم القوي في الصناعة والتجارة والاستيراد والتصدير.
إن اللبنانيين المتواجدين في إفريقيا يشكلون قوة مالية هامة جداً يجب حمايتها، كما يجب أن يكون لكل بلد من بلدانها سفراء وقناصل على قدر المسؤولية والتحدي، تأميناً لاستمرار ومستقبل هذه الجاليات التي يقدر مردودها بمليارات الدولارات. وهي بأهمية الانتشار اللبناني في الخليج والسعودية والعالم العربي إجمالاً.
2 ـ الاغتراب اللبناني إلى البلدان العربية الذي بدأ مع نهضتها العمرانية المتطورة والموارد الطبيعية الهائلة، يساهم جداً في نهضتها ومردوده للبنان متنوع جداً. فأهل الخليج والسعودية وقطر يتوافدون إلى لبنان ويقيمون المشاريع المتنوعة، كما أن بلدانهم تستقبل رجال الأعمال وأهل الاختصاص من لبنان ووتؤمن لهم الكثير من فرص العمل والنجاح، كما أنهم يستثمرون الكثير من أموالهم في لبنان. إن الاغتراب الإفريقي والاغتراب العربي يؤمنان للبنان أهم موارده الاقتصادية. وهذا الاغتراب يختلف تماماً من الناحية العملية عن الاغتراب إلى الأميركيتين وأوستراليا وأوروبا، إنما لكل نوع من أنواع الاغتراب خصوصياته ويلزم معالجته وفق ما هو عليه من أحوال وظروف.
وهذا ما يؤكد النظرية القائلة إنه من الضروري إعادة وزارة المغتربين منفصلة عن وزارة الخارجية. وإذا كانت التجربة التي أقامتها الدولة اللبنانية متعثرة سابقاً لجهة إقامة وزارة المغتربين، فهذا لا يعني أبداً الاستغناء عنها، فهي ضرورة حيوية جداً وأهميتها أنها تتعامل مع الملايين من اللبنانيين وتدرس أحوالهم وتعالج قضاياهم وما أكثرها، تاركة بطبيعة الحال الأمور الدبلوماسية والسياسية لوزارة الخارجية التي لها دور مميز ومختلف تماماً عن وزارة المغتربين المقترحة.
ولما كان اللبنانيون قد احتلوا مواقع هامة جداً في الدول التي وجدوا فيها إن كان من الناحية السياسية أو الديبلوماسية أو الإدارية، فمجال العمل واسع جداً للاستفادة منهم وشدهم إلى وطنهم الأم.
ثانياً ـ هناك جامعة اغترابية اسمها الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم. وهذه الجامعة تأسست منذ خمسين عاماً، وأدت في بداياتها أدواراً وخدمات جلّى للمغتربين ونظمت لها فروعاً في كل أنحاء العالم وعقدت مؤتمرات هامة جداً. وبما أن خبرتنا في متابعة أعمال هذه الجامعة قد بدأت منذ الثمانينات وكان لنا دور هام في إدارتها، فقد تحملنا مسؤولية رئاسة المجلس الوطني في نيجيريا ونيابة المجلس القاري الإفريقي. لذلك نسمح لأنفسنا بإعطاء بعض الاقتراحات التي قد تجد لدى الدولة صداها ومفاعيلها:
هذه الجامعة التي انتشرت فروعها في كل أنحاء العالم وأدت أدواراً هامة جداً حصلت فيها انتكاسات خطيرة إذ دخلت فيها عوامل الانقسامات الكامنة في الوطن الأم من مزاحمة على المراكز فانتقل المرض الطائفي العضال إلى صفوفها فشرذمها وقسمها "جامعات كثيرة" وبرز منها جامعتان الواحدة ولاؤها للسلطة الشرعية كون هذه السلطة تعترف بها رسمياً وتؤمن لها الغطاء الشرعي ولها مكاتبها الخاصة في إحدى أبنية وزارة الخارجية. وهناك جامعة ثانية نشأت نتيجة الخلافات والصراعات على أنواعها والحاصلة منذ عقود على أرض الوطن.
ولست هنا في تقييم أعمال كل من الجامعتين بل ألفت النظر الرسمي إلى أن استمرار الوضع على هذا الحال هو تخريب لكل ما أنجزته الجامعة منذ نشأتها. كما وأنه لا يجوز ترك الأمر كما هو عليه الآن واعتقد أن كل المحاولات لإعادة وحدة الجامعتين لم تؤمن الهدف المطلوب فعلى الدولة إذن أن تحسم أمرها لا في التسويات المؤقتة ولجان المصالحات غير المتصالحة مع نفسها بل على الدولة أن تضع يدها على الوضع الحاصل نتيجة هذا التمزق وتعلن هي أي الدولة موقفها الواضح والصريح فلا تترك الأمر للمساومات ولجان المصالحات وغيره من التسويات المؤقتة فلا يمكن مداواة هذه الحالة إلا في أن تضع الدولة يدها على الموضوع وتؤلف هي أي الدولة لجنة من أصحاب الاختصاص وخارجة عن أصحاب الغايات الخصوصية والنزعات الطائفية الهدامة وتصدر القرارات والقوانين التي تجعل من هذه الجامعة أداة فاعلة لإعادة لم شمل المغتربين وتوحيدهم بإسم الشرعية والقانون وإلا عليها أن توقف هذه المأساة التي جعلت من الاغتراب اللبناني مجال خلافات ومزايدات وأنشطة تصب كلها لغير صالح "العملاق الاغترابي" كما أسميناه في مجلة "المنبر" التي كنت أصدرها في باريس وهي متخصصة بشؤون الاغتراب.
أمل من فخامتكم أن تبادروا إلى إصلاح الحالة الاغترابية حتى يتمكن المغتربون من لعب الدور الطموح الذي تتمنونه لهم وللوطن. وإلا اغترب المقيمون، والمغتربون أصبحوا مقيمين حيث هم.
وفي الختام هذا الكتاب المفتوح موجه من مغترب عتيق إلى رئيس واعد على أمل أن تحقق يا فخامة الرئيس أحلام المقيمين والمغتربين معاً.
المصدر: مجلة تحولات - العدد46- كانون الأول 2009