مقالات المؤسس منصور عازار
الاغتراب اللبناني ثروة وليس بازار
منصور عازار
السبت 20 أيار 2017

للبنانيين باعٌ طويلٌ في عالم الاغتراب، من طانيوس، المهاجر الأول، إلى الأجيال الكثيرة التي لحقته. ومن على شواطئ لبنان، أبحرت أولى السفن باتجاه أوروبا لترسي التبادل التجاري والثقافي والحضاري. واليوم، تلمع أسماء كثيرة في سماء الاغتراب، وكلها تجد جذورها وأصولها في هذه الأرض اللبنانية. في السياسة والأعمال والمال والطب والفن والأزياء والأدب، من جبران خليل جبران والأدب، وأدباء المهجر، إلى رجل الأعمال المكسيكي من أصل لبناني كارلوس سليم الحلو الذي أصبح أغنى رجل في العالم، إلى الطبيب اللامع الذي أجرى أول عملية زرع قلب في العالم مايكل دبغي، إلى رئيس مجلس نواب دولة الباراغواي من أصل لبناني أنريكيه سلين بوسركيس، وأخيراً، وزير النقل الأميركي في إدارة الرئيس باراك أوباما راي لحود، والذي تعود أصوله إلى لبنان كما يدل اسمه، عينة من أسماء قليلة، ضمن لائحة تطول ولا تنتهي لأسماء لبنانية حققت إنجازات كبيرة ووصلت إلى أعلى المراكز السياسية والاقتصادية والفنية والطبية حول العالم.


 وهذه الأسماء هي الدليل الحي على أن اللبناني هو إنسان مبدع وموهوب وخلاّق وطموح وقادر على النجاح والإبداع والإنجاز في كل المجالات إذا ما أتيحت له الفرصة وفتحت أمامه الدروب بعيداً عن "التقاليد" والمحاصصات الطائفية والعائلية والإقطاعية التي تخضع لها الحياة في لبنان.

 لكن لعنة منطق الشراء والرشوة الذي يتبعه الساسة والزعماء اللبنانيون، تلاحق اللبنانيين في مغترباتهم لتكدسهم قبل الانتخابات في طائرات كبيرة وتأتي بهم إلى لبنان ليفرغوا أصواتهم في صناديق الاقتراع، ومن ثم يعودون إلى حيث أتوا حاملين مكافآتهم في جيوبهم وحقائبهم. هكذا بتلك البساطة يُهين الزعيم اللبناني أبناء شعبه في الخارج كما في الداخل، من أجل معركة انتخابية، مصيرية أسماها أم غير ذلك. والواقع أن الخطيئة الدنيئة هذه، ليست فقط في رقبة السياسيين وأزلامهم الذين ما عادوا يستريحون متنقلين من طائرة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر يحشدون الأصوات الاغترابية، بل هي أيضاً ذنب المغترب الذي رضي بأن يتحول صوتاً يُباع ويُشترى في معركة كسر العظم الآتية.


وعملية الرشوة الاغترابية هذه، ازدهرت ونمت في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي أدت إلى فقدان عشرات الآلاف من اللبنانيين لوظائفهم لا سيما في دول الخليج العربي، وخسارة عدد كبير من المستثمرين المغتربين المليارات بعد إفلاس عدد من المصارف والمؤسسات في الخارج.


فاليوم، باتت حجوزات طائرات الركاب إلى لبنان في معظم الدول الأفريقية والأوروبية والخليجي واللاتينية وأوستراليا، شبه مكتملة للشهر الذي يسبق موعد الانتخابات في 7 حزيران. وهناك تأكيدات مستمرة من وكالات السفر الدولية أن عشرات الآلاف من اللبنانيين المقيمين في الخارج يستعدون للقدوم إلى لبنان للمشاركة في الانتخابات، وسط حملات دعائية غير مسبوقة تقوم بها الماكينات الانتخابية والنواب والمخاتير وعدد من رؤساء البلديات في دول المهجر حيث للجاليات اللنبانية حضور كثيف. وتكثر الأحاديث والأرقام عن الثمن المقابل الذي يتم شراء الأصوات به، من بطاقات السفر المجانية وتكاليف الإقامة في الوطن لفترة معينة، إلى مبالغ مالية كبيرة وبطاقات مصرفية وغذائية واستشفائية. أما الشعار الذي يتم العمل على أساسه وتكريسه في عقول المغتربين، فمضمونه أن لبنان في خطر بمواجهة المد الفارسي القادم من إيران، والذي يسعى إلى إسقاط لبنان في محور الشر على يد حزب الله وحلفائه (رأي المعارضة)، والاستحقاق الانتخابي المصيري هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ لبنان من براثن الشر والظلام. شعارات مألوفة على لسان الرئيس السابق جورج بوش وأشباهه، لكنها ما زالت تُلاقي وقعاً لدى بعض المغتربين لا سيما عندما تُقترن بمغريات مادية.

وعلى الرغم من أن أرجحية عدد المغتربين اللبنانيين في الخارج تجعل زمام القرار التشريعي في لبنان إلى حدٍ ما في الخارج، في وقت لا يخضع المقيم إقامة دائمة في الخارج لمفعول القرار الذي يصدر عنه، إلا أنه لا يجب أن يفهم من هذا الكلام أننا ندعو إلى حرمان المغترب اللبناني من حق الاقتراع، فقد تم إقرار ذلك الحق على أي حال. فالمغترب الذي يمتلك الهوية اللبنانية، يحق له حكماً وبصورة طبيعية القدوم إلى وطنه للإدلاء بصوته يوم الانتخاب في بلدته أو قريته. تلك ليست المشكلة، بل الخطيئة الحقيقية تقع في عملية الرشوة، والتي إلى جانب إسقاطها كل القيم الأخلاقية والمبدئية والقانونية والديموقراطية المشروعة، تؤدي إلى نتيجة خطيرة تحمل صفة التزوير الانتخابي بامتياز تقول إن: من يمتلك المال يمتلك القوة الانتخابية وبالتالي يستولي على الحكم في لبنان بغض النظر عن مدى أحقيته في ذلك أو أهليته ومصداقيته وصوابية مشروعه السياسي.

والمثير للسخرية في هذا الموضوع هو أن الذين يؤكدون اليوم على أهمية دور اللبناني المغترب ويعملون على شراء الأصوات الاغترابية وشحنها إلى لبنان يوم الانتخابات، هم ذاتهم الذين عملوا سنيناً طويلة على تهميش المغتربين وعرقلة إقرار حق المغتربين بالاقتراع في جلسات المجلس النيابي في حزيران 2008.


في الواقع، المنطق والمسؤولية الوطنية والمبادئ الأخلاقية تجتمع معاً لتقول إن من يريد حقاً منح المغتربين دوراً في بناء وطنهم والمساهمة في تقدم شعبهم، لا يهين هؤلاء المغتربين ويحولهم إلى سلع على شكل أصوات انتخابية. فهناك آلاف الطرق الأخرى للاستفادة من طاقات المغتربين مع الحفاظ على كرامتهم وكرامة الديموقراطية. يمكن البدء بالحفاظ على أبناء هذا الوطن كي لا يضطروا إلى الهجرة في الأساس، أو تشجيع المغتربين على الاستثمار في وطنهم أو العودة إليه، أو على الأقل، الانتظار حتى الانتخابات القادمة ما بعد انتخابات 2009، حين يصبح بإمكان المغتربين التصويت دون أن يباعوا ويشتروا في البازارات الانتخابية.


وهذا ما عبر عنه عميد المغتربين اللبنانيين السفير فؤاد غندور الذي دعا المغتربين إلى المشاركة في الانتخابات النيابية ترشيحاً واقتراعاً على قاعدة الولاء والانتماء إلى لبنان الوطن الأم، متمنياً إخراجهم من بازار السجالات، ومؤكداً أنهم بلغوا سن الرشد ويعرفون جيداً مصلحة لبنان وأبنائه وليسوا بحاجة إلى دليل أو موجه". من جهة أخرى، على السياسيين اللبنانيين أن يُدركوا أن التعاطي مع الاغتراب اللبناني لا يجب أن تحمه "المزاجية الانتخابية" والمصلحة الآنية، بل يجب التعامل مع ولاء المغتربين وفق برامج مدروسة ومعدة وثابتة تسمح باستثمار هذه الثروة لمصلحة أبناء لبنان المغتربين والمقيمين.


يقف لبنان اليوم أمام استحقاقات هامة داخلية وإقليمية ودولية، أقربها وأكثرها حساسية هو الاستحقاق الانتخابي في شهر حزيران المقبل وكما يقف لبنان، يقف مغتربوه أمام اختبار هام وكبير، يسجّل لهم نقطة بيضاء في سجلات وطنيتهم وديموقراطيتهم وكرامتهم. فإن هم تآمروا على أنفسهم وتحولوا من ثروة بشرية تقدر بـ15 مليون مغترب إلى أصوات رخيصة في صناديق الاقتراع، فشلوا ورسبوا في هذا الامتحان، وإن هم وقفوا ورفضوا الرشوة وحفظوا كرامتهم، نجحوا وأسقطوا محاولات تحويلهم إلى عبيد انتخابيين، بدل أن يكونوا الصورة الحضارية الأمثل لوطنهم كما كانوا دوماً. فأمام خطيئة أسواق النخاسة الانتخابية، هناك واجب وطني يؤديه اللبنانيون جميعاً، في لبنان وخارجه، هو مسؤولية إنقاذ كرامة المواطن اللبناني وكرامة قيمه الديموقراطية والوطنية والإنسانية.




مجلة تحولات - العدد 40- آذار - 2009