من يكون الضحية؟
فكل حرب تبحث عن ضحيتها، أو عن ضحاياها وكل حرب تسجل في بدايتها عدداً قليلاً من الخسائر، ولكن حساب الخاتمة يختلف عن حساب البداية.
فما كان متوقعاً في البدء يصبح مجهولاً، وما كان معلوماً يصبح غائباً، وما كان محسوباً يصبح خارج جدول الاحتمالات.
حرب سورية أو حرب العالم على سورية لا تعدو أن تكون بدايتها كارثة وآخرها سلسلة من الكوارث، إذا لم يتدارك العرب نيرانها قبل أن تندلع في كل مكان من العالم، وإذا لم يشعر هذا العالم أن هذه الحرب الملعونة ليست إلا النفق المعتم والدموي الذي ستدخله منطقة الشرق الأوسط لتفرخ فيه، عند كل منعطف مظلم حربا جديدة تجر إليها العالم كل العالم إلى أتون من نار يحرق الأخضر واليابس ويجعل الكرة الأرضية كلها لهيباً متفجراً قد ينهي الوجود البشري في هذا الكون الذي يتقدم بالعلوم الذرية والهيدروجينية والميكروبيليا نحو نهايته الحتمية. هذه الحرب الكارثة التي صممتها الدول الجوارح أولى ضحاياها شعب ولد التاريخ بين يديه مراراً وسجل فوق الأرض كثيراً من هذه الحرب الملعونة، حتى بات جزءاً من نسيج الحياة على هذه الكرة الأرضية.
هذه الحرب الملعونة، لا تقف عند حدود قطر أو إقليم أو كيان، بل هي تهز أعماق الكون وتحضه من جدي ليقع في دوامة الأخطار الكارثية التي تقود إلى نهايته، فالقاع الذي تخلفه هذه الحرب، لا قاع له، والسقوط لا يتوقف عند حدود هذه الزمان بل يتخطاه إلى اللانهاية.
هذه الحرب التي لم يبذل قبلها إلا القليل القليل من السعي نحو السلام لن تكون فقط فحات من السجل العسكري للحروب، حيث التفوق الجوي والتفوق التقني جعل من هذه المعركة تدريباً يومياً فظاً تجرب في اللحم الحي الأسلحة الفتاكة، بل ستكون مجلدات واسعة الحدقات والكلمات، تتحدث عن طوفان من نار فوق آبار من النفط لا يحرق العرب فحسب بل يمتد لهيبه إلى الكرة الأرضية جمعاء.
إنها الكارثة التي كان يمكن تفاديها، فلماذا أسرعوا جميعا من عرب وفرنجة وأميركان إلى تظهيرها بقوة.
إننا نعرف نحن معاني الحروب التي عايشناها طوال تاريخنا، قد تبتدئ بشعار وتنتهي بنار تأكلها النيران الأخرى، ونعرف أيضاً أن الأرقام التي يمكن أن تسجل فيها الخسائر البشرية والاقتصادية والعمرانية والثقافية لا يمكن أن تكون إلا ضئيلة مهما كبرت امام حجم الكارثة التي ستحل بالعالم أجمع من جراء هذه المطامع للسيطرة على موارد الكون وشعوبه، إنه مرض عميق بدأ من لوثة الحقد الذي نبتت له أنياب قاسية وكلها تغني على لحن اقتسام موارد الكون بما فيه من ماء ونفط ومعادن وخيرات وبشر.
يظن العظماء في هذا الكون الذين تخلوا عن عظمتهم إلى (عظيم) واحد هو الولايات المتحدة الأميركية بأنهم هم الكاسبون وبمعنى آخر أنهم يستطيعون ترتيب أوضاع الكون على لحن ألفته إسرائيل للتمكن من عزفه من أجل أن يرقص العالم على أنغامه.
ولكن إلى أين ستقودهم الحسابات؟
ولكي نعود إلى وقائع التاريخ القريب في منطقتنا أقول أنه بعد الحرب العالمية الأولى وهزيمة الامبرطورية العثمانية وإلغاء سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم رتب المنتصر آنذاك أوضاع منطقتنا على قاعدة سايكس - بيكو وخلفية وعد بلفور إلا أن هذه الترتيبات الدولية الناتجة عن ذلك النظام الدولي الجديد من ملاحم وجماجم الحرب العالمية الأولى، أدى إلى نشوء نزعات وثورات دموية كثيرة ما لبست أن أطفأتها نيران الحرب العالمية الثانية وبعدها تكرس الذي ساد أيام عصبة الامم لذلك تفجرت المنطقة بالحروب وباتت مراراً على قلب قوسين أو أدنى من وضغ تجر فيه العالم إلى حرب ذرية إبان الاجتياح الثلاثي لمصر، بعد تأميم قناة السويس وبعدها في حرب تشرين عندما كادت "إسرائيل" أن تهزم نتيجة الضربة الأولى التي وجهها جيشا سورية ومصر.
ونتيجة لهذه الحسابات الدولية الخاطئة ونتيجة الموقف المتمادي من الغرب في دعم "إسرائيل" أصبحت المنطقة ترسانة عسكرية تتمتع بكل خصائص الانفجار الحربي.
فخارج نظاق الدول العظمى وبعض الدول في آسيا ليس هناك من منطقة تتجمع فيها القنابل الذرية التي تملكها "إسرائيل" والصواريخ، والصواريخ المضادة والأسلحة الكيماوية والأسلحة البيولوجية، إضافة إلى لائحة طويلة لا تنتهي من أنواع الطائرات والقاذفات والمدرعات والمدافع التي تملكها جيوش مدربة يجلس عليها القواد دائما على فوهة بركان.
لقد ازدادت قضايا الكون تعقيداً فما كان يمكن حله سابقاً بحرب خاطفة يتطلب اليوم حروباً متنقلة ثم حرباً عالمية قد تدمر الكون بكامله.
ومن يظن أنه ليس الضحية فسيتبين أن العالم كله ضحية ما يملك اليوم من مقدرة تدمير الذات، فالحرب ستحرق الجسور والأبواب ولن تبقي إلا على الرماد، وما يبنى على الرماد مثل الذي يبنى على الرمال لا بد أن يتحول إلى أنقاض.
إن العالم كله في خطر وفلسفة "شمشوم الجبار" تتردد أصداؤها عبر التاريخ وإلى اليوم: عليّ وعلى أعدائي يا رب!! وأي رب!؟